قراءة في نص "انها واقفة هناك"

 

 

سامح كعوش

القاصة الإماراتية فاطمة المزروعي تبحث في كتابتها عن شكل موازٍ للكتابة السائدة، يقارب المحظور من دون أن يخترقه، ويحاول الكشف عن الخلل من دون أن يقع في الفضح، وهذا ما تبدو القاصة أقدر عليه في نصها القصصي القصير الجديد “إنها واقفة هناك”... العنوان يفصح عن كثير من مضمونه النقدي الاجتماعي اللاذع، فالمرأة بطلة القصة فيه واحدة وحيدة، واقفة ضد الزوج، وضد السأم، وضد الثرثرة والعلاقات الاجتماعية الفاترة.تقول المزروعي في القصة “كانت تنظر إلى وجهها في المرآة، تتأمله بصورة جدية، فهو لم يعد فتياً كالسابق، منذ فترة طويلة لم تقف أمام المرآة”، وكأنها تروي على لسان نسوة كثيرات لا حصر لهنّ، في مجتمع شرقي يمنح للرجل حقوقاً يحرم المرأة منها، وهي الحقوق التي لا يتم الاتفاق بين الطرفين عليها إلا بالحب المفقود بين شخصيتي قصة فاطمة المزروعي “إنها واقفة هناك”.فاطمة المزروعي تكتب نصاً سردياً في الشكل لكنه حواري بامتياز مضموناً، يقع في المونولوج بشكل لا يقبل الشك. ويشير الى ذلك بنية نصية متوترة تتحرك ضدياً في اتجاه واحدة يتوازى مع عبارة مفتاح يمثلها قول الكاتبة “مع الفحص، شخّص الدكتور مرضها على أنها تعاني من مرض مزمن في المعدة، يسبب لها هذا الغثيان”، وكأن الغثيان مفردة دلالية ذات حقل مفتوح على المرض النفسي لا الجسدي فحسب، مرض المرأة وألمها المخاضي من علاقة يائسة وزوج يذكرها بنظراته وهزة رأسه بالفرق بينهما، واليأس من علاقة لا تنتج إلا المعاناة، تقول القصة “كعادتها ركبت سيارة زوجها وجلست بجواره صامتة، وهو يتأمل جسدها الضخم، وثوبها الأزرق الواسع، ثم يهز رأسه يمنةً ويسرة”.ولكن الكاتبة لا تغفل توازي المشاعر الإنسانية الضدية حتى في التناقض والاختلاف، فكلاهما سيتوحدان في خاتمة النص القصصي، ليعبّرا عن جدلية منطقية للأمور التي جمعت بينهما أساساً، فلا هي كانت تطمح بالزواج منه، ولا هو جاء بملامح فارس الأحلام المنتظر، تقول: “زوجها هذا لا تعرف كيف شاءت الظروف أن يتزوجها... لم يكن لديها طموح أبداً، حتى فكرة الزواج كانت أكبر من أي حلم رأته... ليلة زفافها كانت عادية، لم تتزين كثيراً”.وهي في ذلك تشير إلى أن المشكلة أولاً وأخيراً تكمن في استعصاء الكتابة على التغيير، لقيم الحياة والنفس، بأن تخلق للكاتبة عالماً حقيقياً يوافق عالمها الكتابي المثالي، ولا يكون انعكاساً ضدياً لأشيائه كما في متخيّلها وواقعها المختلف، وهي تبحث عن اتحاد ما لتنجو ببطلتها عبره فتحييها في عوالم مثالية للحب والعلاقة الزوجية القائمة لا على مساواة الاعتراف بالفشل، بل على مساواة الاعتراف بالحب والوجد، تقول فاطمة المزروعي: “وسوف يستمر هذا الصمت طويلاً، بحيث إنهما سوف يتعبان من الشيخوخة، سوف تتعب هي من النظر في المرآة طويلاً، وسوف يتعب هو من التحديق في ثوبها الأزرق وجسدها البدين”.تطرح القاصة الإماراتية فاطمة المزروعي إذاً سؤالاً إنسانياً إبداعياً، يتعلق بالقيمة الإنسانية لما يكتبه الراوي أو القاص، فهل يكتب للنهايات السعيدة التي بشّر بها النص الرومنسي ولو بالموت، كخاتمة عشقية تجمع بين حبيبين افتراضاً ومتخيلاً مثالياً لعالم ما بعد الموت، أم هو يكتب للحقيقة والواقع المتغير كما الطهارة من الخطايا والذنوب والقذر بالتوبة كقيمة معنوية وبالاغتسال كضرورة جسدية؟تحرك فاطمة المزروعي نياط نصّها بأصابع الكتابة الخشنة التي تستعير من هذا الرجل بعض صورته وسطوته لتقوى عليه، وتنتصر بعذاباتها التي لم تعد تطيق عليها صبراً، فكيف بها وهي تنحو في خاتمة نصها ناحية التوازي في الهزيمة المعلنة، ولو كتابياً على الأقل، والوحدة المعنوية في الشعور بالحاجة إلى نهاية ما لهذه المأساة التي جمعت بينهما كما جمعت بين كثيرين في الضد والعلاقات المشروخة الممزقة، التي لا يبقى منها إلا حطام طرفين كان عليهما أن يقولا شيئاً فيها، ربما أمس، أو غداً؟ تقول في النص: “ها هما كعادتهما يتمشيان معاً بجوار البحر، نادراً ما كانت أصابعهما تتشابك معاً، كل واحد على حدة، لا بد أنهما يريدان أن يتحدثا، أن يناقشا حياتهما معاً، أن يقول أحدهما شيئاً عن الآخر، ولكن الصمت ذاته يعتريهما”.

 

http://www.alkhaleej.ae/portal/37cec...c024e85fb.asp