فاطمة المزروعي

تضع القارئ في شرَك "كمائن العتمة"

 

د. يوسف حطيني

يرى الدكتور إبراهيم محمد علي في قراءته المثيولوجية لدلالات اللون في الشعر العربي قبل الإسلام أنّ اللون الأسود يمثّل الظلام الكامل وانعدام الرؤية، وهو رمز للحزن والموت والألم والخوف من الجهول والعدمية والفناء، وهو يولّد مجموعة من الأخلاط التي تنتج الفكر الرديّة والهموم المؤذية والأحزان الملازمة على حدّ تعبير اللغويين العرب.

نسوق هذا الكلام في مقدمة دراستنا عن رواية "كمائن العتمة" للكاتبة الإماراتية فاطمة المزروعي؛ لنتمكّن من قراءة هذه الرواية التي يتسيّد فيها اللون الأسود المشهد البصري للسرد بدءاً من العنوان، وانتهاءً بالنسق الختامي الذي تنهي به المزروعي روايتها، وتعيد النهاية إلى بدايتها في زمن سرمديّ:" أصابع دافئة، نعم إنها أصابع أمّي تشابك أصابعي، فأغمض عيني، تنسحب الأصابع ببطء شديد، وكأنها تودّعني، لتسحبني العتمة " ص 157.

في حكاية الرواية تعترف لنا سارة الساردة نحن القرّاء من خلال مخاطبتها إيانا في عدة مواضع بتفاصيل من حياتها، تسترجعها في عتمتها / سجنها الاجتماعي الذي وجدت نفسها فيه، إثر لقائها بشابّ لم ترَ فيه فتى لأحلامها، وتقدّم في حبكة مثيرة حلّاً للغز تلك العتمة التي يظنها القارئ قبراً حيناً ومكاناً غرائبياً لا هوية له حيناً آخر، ليقوده السرد في صفحته الأخيرة ( وعبر إشارات بينية سريعة خلال صفحات الرواية) إلى أنّ المكان الذي تعيش فيه هي غرفة مغلقة بأمر السائد الاجتماعي الذي يطأ حريتها وأحلامها ؛ ذلك السائد الاجتماعي الذي يتجلّى بسلطة الذي  الذكر / الأب والإخوة، في مواجهة ضعف الأنثى / الأخت التي تقول: حرام !! والأم العاجزة التي يبرزها السياق التالي:

" لقد تخلّتْ عني في هذا الوقت، وتركتْهم يسحبونني بقسودة إلى هذه الغرفة، رأتهم وهم يضربونني، وينقّضّون عليَّ بقسوة، ولم تفعل شيئاً سوى البكاء والحسرة والألم" ص 91.

وفي تكنيك الرواية تعتمد الروائية اعتماداً واسعاً على الاسترجاع، بوصفه خياراً استراتيجياً، خياراً لابدّ منه؛ إذ إنّ النهاية تعود للبداية في الزمن السرمدي الذي أشرنا إليه، ولا شكّ عند الانطلاق سردياً من اللحظة الراهنة إلى اللحظة الراهنة ذاتها أن الاسترجاع يسكون سيّد التقنيات السردية التي يتم اللجوء إليها، وقد لجأت الروائية إليه من خلال خطاب الساردة للقارئ الذي تجلس أمامه على كرسي الاعتراف لتذكر ما لديها، إذ تفتح له ذاكرتها على مصراعيها على الرغم من أنها لم تكن تتخيل ذلك:" لم أكن مستعدة لأجلس على كرسي الاعتراف، وأخبركم عمّا يجول في خاطري، عن تلك الصفحات التي كتبتها بكل كياني، ووضعت فيها كل ما يعتمل في نفسي من غضب وحزن وشقاء". ص15.

وقد بدت العتمة متّكأً سردياً بديعاً، ومحفّزاً ناجحاً على ذلك الاسترجاع، فنقرأ لها مقاطع سردية من مثل:" كان التفكير بالذكريات ضفة أخرى للعودة إلى الحياة وسط تلك العتمة " ص 20. و " أحاول نسيان هذه العتمة، والذهاب إلى أقاصي الأحلام، إلى ذلك الزمن الجميل" ص 26، ونلاحظ في أكثر من صفحة من صفحات الرواية أنّ هذا المحفّز قادر على العودة بها إلى زمن آخر قصىّ، مازال حيّاً في الذاكرة: " قرعٌ في تلك العتمة يوقظني من غيبوبتي، أفتح عينيَّ فأسمع صرخات ندى القويّة...".

في هذه الراوية المسكونة بالسواد، حكايات أخرى تنمو على ظلالها، وتوشّح السرد باللون ذاته، حكايات عن حبّ جنيني فوضوي لم يكتمل من طرف سارة لأشخاص تقابلهم في حياتها، حكايات المقعدين، حكايات زواج القاصرات من الرجال الكبار في السنّ، حكايات رفض البدون الخاطبين من قبل أهالي المخطوبات، حكايات الحرب التي تحصد الأرواح في لبنان، كل ذلك في سبك يجعل الظلام المحيط بالساردة أشد كثافة ورعباً.

وعلى الرغم من أنّ اللون الأسود لا يحضر كثيراً بلفظه، فإنه لا يغيب أبداً عن صفحات الرواية بظلاله المتعددة، ثمة عتمة وقبر وظلام وثمة عزلة وغرفة مغلقة وستائر مسدلة، وثمة حزن وموت وألم وخوف:

 

  • العتمة:" كانت تلك العتمة قد أحاطتني منذ الطفولة وغشيت كلّ حواسي". ص 7.

  • " هل انتقلتُ حقّاً إلى القبر؟" ص 12.

  • " لقد دفنوني هنا في هذه الغرفة" ص21.

" العزلة هي عتمتي “ص 131.

 

  • " أما الآن فأنا وحدي وسط هذا الظلام المبهم" ص 22.

  • " يا إلهي ما هذا الظلام !!" ص 23.

  • " لا توجد أية نافذة يمكنني أن أرى منها أيّ شيء" ص 38.

حتى الأبيض الذي يعدّ في معظم دلالاته نقيضاً للأسود، ويورث في النفس طمأنينة واسترخاء، فقد انضمّ في هذه الرواية إلى دلالات الأسود. وطبقاً للدكتور إبراهيم محمد علي، فإن هذا وارد تماماً؛ إذ قد يدلّ الأبيض على العجز والضعف، على نحو ما يتجلّى في لون الكفن الذي يحضر في النسق السردي التالي: " يتوجهون بي إلى القبر، حاملين جثتي، وقد غطاها الكفن الأبيض" ص67.

في ظلّ هذا الحزن، وفي ظلّ هذا العجز لا بدّ من التكوّر على الذات، أو الاندغام بالآخر، والالتجاء إليه: ها هنا تقف سارة في برهة الحزن والعجز باحثة عن الحماية، وعن الطمأنينة، فتتكوّر على نفسها في وضع جنيني، فتنام في العتمة "كطفل أو كجنين في رحم أمه" ص 94، وتختبئ، حتى قبل دخولها ذلك السجن الاجتماعي، تحت اللحاف، أو تحت جناح حماية آخر، في أنساق سردية عديدة/ نختار منها:

 

  • " وأختبئ تحت اللحاف مثل فأرة صغيرة خائفة" ص 42.

  • " فأختبئ مرة أخرى تحت الغطاء ". ص 57.

  • " رفعت أم عمر بصدرها فلمحتني أنظر إليها، وتلاقت نظراتها مع نظراتي، وكدتُ أن أصرخ بقوة، قبل أن أختبئ تحت لحافي" ص 45.

  • " أخذتني أمي في حضنها، وضمّتني بقوة، فتمنيت أن أظل في حضنها دوماً، وأن لا] هكذا في الأصل [أغادر هذا المكان الآمن" ص 60.

  • " مرّات كثيرة أثناء طفولتي كنت أنسلُّ إلى فراش والديّ، أحاول الاختباء في حضن أمّي" ص 100 – 101.

وعلى الرغم من هذه الكمائن التي تتربص بالساردة في كل سطر من سطور الرواية (لنلاحظ دلالة الكمين اللغوية)، فإنّ ثمة إرادة ما في نفسها، تعبّر عن رفضها لتلك العتمة، وعن تمرّدها عليها، من خلال عرض بعض نماذج المتمردة على سلطة الواقع الاجتماعي، من مثل جواهر ابنة خالتها، وسهام صديقتها في الفضاء الأزرق الافتراضي، ومن خلال إصرارها على مقاومة ذلك الأسود المحيط بها، فتعلن: في جسدي " رغبة عارمة في الحياة" ص 17، " والآن أجلس في العتمة بانتظار معجزة تنتشلني من هذا الموت". ص17، " وتلك العتمة لا بدّ أن اقاومها إلى النهاية" ص 28. و " لا أريد النوم في هذه العتمة " ص 94.

في هذه العتمة أيضاً تبرز الثقة بالخير المطلق، بالله سبحانه، الذي خلق النور، فتبحث في توقها لصوت الأذان عن تبديد تلك الظلمة القابعة في أرجاء الروح:

  • " أريد أن أسمع صوت الأذان (...) لعله يمحي] هكذا في الأصل [تلك الظلمة القاتمة في ذاكرتي " ص 38.

في " كمائن العتمة " تنصب لنا فاطمة المزروعي كميناً سردياً، يقودنا ببراعة نحو شَرَك الظلام، وغواية الحزن، فننهي الرواية باحثين عن فرح ما، عن ضوء ما، في نهاية النفق.