• fatima

فهم التراث معرفة المستقبل




نظرة عابرة وسريعة حول الموروث أيا كان لونه أو نوعه، تعطينا فكرة واضحة وجلية عن المستقبل، لأن التراث ينطلق من العقل البشري ويبدأ منه لذا تعتبر الحياة الاجتماعية بعموميتها وعلى مختلف أنواعها هي مصادره ومنبعه، ورغم تعدد تعاريف التراث وعدم اتفاق العلماء على تعريف واحد رئيسي، إلا أن هناك شبه اتفاق على أن التراث يشمل كل ما تركه لنا الآباء والأجداد من معلومات سواء أكانت في كتب على مختلف أنواعها أدبية طبية صناعية فلكية أو في أشكال ورموز مثل المباني والقلاع والحصون أو في النحت والرسم والأدوات أو غيرها من المجالات سواء أكانت فنية أو أي شكل من أشكال الحياة.

في كل حضارة وأمة على امتداد تاريخها ستجد من ينشغل بحفظ المعلومات من الأجيال التي سبقته ويدونها ليحفظها للأجيال التالية، وكما هو معروف فإن البناء الحضاري لم يكن ليتم لو لا عملية دقيقة في نقل المعارف والمبتكرات من جيل إلى آخر، وهذه واحدة من أهم خصال وفوائد التراث.

وهناك أهمية أخرى تتعلق بالهوية والمحافظة على الثقافة وحتى لا يحدث تفكك وخلل في الروابط الاجتماعية للمجتمع، وكما يقال فإن التراث يعد رابط قوي بين الماضي والحاضر والمستقبل. وعلى ضوء ذلك ستجد أن هناك دوما رابط قوي بين التراث وبين الثقافة، بل يكاد أحدهم يكون جز من الآخر، فإذا فهمنا أن الثقافة هي: "مجموعة العادات والتقاليد والقيم للمجتمع". وهناك من يقول أنها: "معرفةٌ يستمدّها الأشخاص من خلال تعاملهم مع مجتمعات مختلفة، وهي أيضاً إلمامٌ بجميع المعارف والعلوم والقواعد الكونية...". عندها ندرك أنه لا يمكن ان تتكون الثقافة دون مخزون من الماضي مما تركه السابقون من تركتا معرفية وعادات وتعاملات وأيضا من مباني وصروح ومخترعات ومبتكرات، وإن أمعنا النظر فإن هذه جميعها مكونات الثقافة وجز أساسي منها. وقد اعتبر عالم التراث – الفولكلور - الأمريكي هيرسكو فيتس: "أن التراث مرادف للثقافة". على الجانب الآخر ستجد أن التراث يحمل في طياته عمق كبير، حتى أن الدارسين والمختصين من العلماء وضعوا في سياق الالمام به عدة تعاريف وانطلقوا في عدة اتجاهات مختلفة وهذا يوضح أتساع مفهوم التراث وعمقه في الحياة البشرية بصفة عامة، البعض يعتبرون هذا الإتساع طبيعي كون التراث نقل تام وواضح لحياة كاملة لزمن ماضي.

ومن هنا لا يمكن فصل التراث عن وقع الحياة المعاصرة، فكيف يمكن تجريد الإنسان من خبراته، من معارفه، من تجاربه التي سبق وتمت في زمن ماضي، من المهم دوما استحضار كل تجربة حدثت ومعرفة الايجابيات لتدعيمها ومعرفة السلبيات لتجنبها وهذه العملية لن تتم دون استحضار لما تم في الماضي وهو ما يعني ببساطة متناهية اعتراف بالتراث وقوته وسطوته وفائدته على الحاضر وانعكاسه الواضح على مستقبل البشرية.

والحقيقة البديهية أن جميع المخترعات والمبتكرات التي تمت وباتت على أرض الواقع لم يكن لتحدث بكل هذا الوهج دون تلاحم واتصال بين الماضي وما يختزله من معلومات تراثية وبين الحاضر ومنجزاته التي تذهب بنا نحو المستقبل.

3 views0 comments

Recent Posts

See All