• fatima

محارب هذا العصر




يغلب علينا في هذا العصر اللجوء لتفسيرات خارجية ومادية عندما تتغير الأمزجة على نحو سلبي، وعندما نشعر بآلام واضطرابات أو تغيرات نفسية. وتكون هذه التفسيرات دائماًمبررة لهذه التغيرات الذهنية، فنحن نميل للبحث عن سبب طارئ لم نسيطر عليه لنفسر الخذلان أو التعسر في المزاج. سواء أكان السبب يتعلق بضغوطات العمل، أو التوقعات العالية للناس أو الراتب ، أو صعوبة المناهج والتعليم، أو الاختبارات المتتالية، أو الخلافات بين الأصدقاء، أو سوء فهم، أو الحياة الروتينية والمملة.

أيا كانت هذه الأسباب الخارجية التي تعتقد أنها السبب في تكدر مزاجك، هي في الحقيقة ليست السبب المباشر . وإذا قررت أن يتعكر صفو مزاجك فسيتعكر حتى لو كنت في أجمل بقاع الأرض وفي كامل عافيتك، وحسابك المصرفي زاخر بالوفرة، وليست لديك أي أعمال عالقة.

إذن ما السبب؟

يقول ألفريد إدلر وهو طبيب نفسي وعصبي نمساوي، ومؤسس مدرسة علم النفس الفردي: "مصاعبي تنبع مني" وهذا هو جوهر التعامل مع تقلبات المزاج والاضطرابات النفسية.

الظروف الخارجية ليست السبب في هذه الإحباطات، بل السبب هو الأفكار التي تشكلت في أذهاننا عن كيفية التعامل مع هذه الظروف.

أما أول خطوة لحل هذه المشكلة، فتكون بمعرفة ماهية هذه المشكلة بالتحديد.

وليتعافى الإنسان من آلامه ، عليه تحديد ومعرفة ومواجهة جوهر الأفكار الراسخة لديه.  هل هي أفكار سلبية عن الذات والمستقبل تسبب له حالة من انعدام الحافز والخذلان؟ أو ربما النقيض تماما ،والنقيض لا يعني نتيجة مغايرة، فتضخيم الذات والنظرة اللاواقعية للمستقبل لا تعني إلا إحباط وحيرة.

هل من الأفكار الراسخة الشعور بالخوف من حدوث المخاطر والظروف الطارئة؟ هل هناك خوف محدد من أمور معينة تستدعي الشخص أن يتجنبها ويحرم نفسه من التجربة؟

هل هناك حذر وشك متكرر تجاه القيام بالأفعال الروتينية تدفع الشخص بالشعور بالتوتر وعدم الراحة طوال اليوم؟ هل هناك تصورات سلبية عن الجسد تدفع الشخص للقيام بأمور غير صحية تجاه جسمه للوصول للشكل المثالي الذي يرضيه؟ هل هناك شعور غامر باليأس وفقدان القدرة على التفكير السوي في كيفية حل المعضلات؟

هذه المشاعر تحبس الإنسان داخلها وتجعله يشعر بالخجل من الإفصاح بها، ولكن الحقيقة هي منتشرة كثيرا، بل في الواقع هي هواجس واضطرابات العصر. وهي لا تنم إلا عن حقيقة أن الكثير يعانون من الهشاشة النفسية. مع تتابع الضغوطات والصدمات التي يتلقاها الإنسان دون الوعي بكيفية التعامل معها بشكل إيجابي، تتخبط جدران دفاعاته النفسية وتصبح ردات فعله لا تشير إلا على وجود إنسان ضعيف داخليا يسهل هزه، مثل أن يحزن بسرعة، يسهل التلاعب به بواسطة الكلمات، يتعلق بسهولة، يبالغ في أي موقف ويضخم الأمور، يتضجر ويتململ كثيرا. ومع مرور الزمن تتفاقم المشكلة لديه لدرجة أنها تؤثر على علاقاته الاجتماعية وبالتالية يغرق في الوحدة والأسى الذي يرافقها.

إن الاعتراف بالمشكلة بعد تحديد ماهيتها هو الخطوة الثانية لعلاجها، وهذا يتطلب مواجهة الذات والكثير من الإصرار على تغيير العادات النفسية الخاطئة. على المرء أن يقوي إيمانه العميق بذاته، وألا يسمح لظروف الحياة القاهرة أن تشعره بعدم وجود منافذ للخلاص. عليه أيضا أن يكتفي بذاته وألا يبحث عن قيمته بين البشر فبهذه الطريقة سيحمي نفسه من ألم الخذلان والخيبة عندما يسيء له الآخرون. وألا يترك ذهنه مفتوح لأي من الأفكار الدخيلة التي من الممكن أن تتلاعب بقراراته ومبادئه بل على العكس عليه أن يحصن نفسه من هذه الوساوس والكلمات المثبطة أو الموترة.

إن المحارب في هذا العصر، ليس الفارس على صهوة جواده، أو المقاتل في الميدان، بل هو ذاك الذي يتحلى بالقوة النفسية والعقلية التي تجعله يواجه نفسه ونقاط ضعفها، ليطورها وينطلق بها في هذه الحياة بكل ما تحمله من إحباطات وصعوبات وضغوطات، ليتفوق بإيجابيته وقوته وفعاليته، وهذا لا يأتي إلا من خلال التحلي بالشجاعة لاقتحام الحياة.

يقول ألفريد إدلر: "الخطر الرئيسي في الحياة هو أن تبالغ في حذرك"

علينا أن نتحرر من مخاوفنا، وهذا لا يأتي إلا بالمواجهة والاعتراف بالمشكلة ومن ثم القيام بما نحبه ونهواه. فهذا بالضبط ما يحتاجه العالم. الشغوفون والمبدعون والإيجابيون.

2 views0 comments