• fatima

نعم للمعرفة ونعم للسؤال أهم مفاتيح المعرفة





ظلت مفردة المعرفة وما تمثله من معانٍ وما تحتوي من مصادر علمية مصدر إشعاع ووهج لدى الكثيرون، وظلت محور للكثير من النقاشات والأحاديث والحوارات، ولا غرو ولا استغراب فهي المفردة القوية التي تحمل دلالة لمعنى عميق نحتاجه في كل زمان ومكان.

فالعقل الإنساني بتسلحه بالمعرفة وشغفه بها هو المعيار لتميزه وتفوقه، وصدق فيلسوف الصين الشهير كونفوشيوس عندما قال: ابحث عن المعرفة ؛ فإن المعرفة لا تبحث عنك.

لكن لماذا نسعى نحو المعرفة؟ لأنها القوة التي ستميزنا وهي العلم الذي بواسطته نرتقي ونحلق نحو الفضاء، لذلك يجب أن نشجع السؤال والتقصي وننمي ثقافة الاستفهام من أجل التعلم، لذا لا يمكن أن يتم احتقار أي تساؤل أو تقليل منه أو من صاحبه.. أتذكر في هذا السياق قصة تقول إن أحد الأشخاص سأل سقراط عن سبب ملوحة مياه البحر، فأجابه قائلاً: إذا أعلمتني المنفعة من ذلك أخبرتك السبب؟!. أتعجب لمَ لم يكتف سقراط بإجابته وحسب دون الرد عليه بهذه الطريقة؟! فهذا النوع من الأسئلة ليس تافهاً ولا يمكن اعتباره مضيعة للوقت، بل في الحقيقة ما يحير العلماء ويشغل هواجسهم هي تلك الأسئلة البديهية التي رغم تلقائيتها وبساطتها تحتاج للبحث والتقصي والتعمق في العلم.. لو قرأ الباحثون والعلماء قصة سقراط هذه واقتنعوا بها لما وجدنا الإجابات على كثير من الاستفهامات المتعلقة بالطبيعة من حولنا.. لنأخذ - على سبيل المثال- البحث في مجال الفضاء عن مواقع الكواكب والأجرام السماوية، ففي الماضي لم يكن لهذه الملاحظات والأبحاث معنى لذلك تم تهميش كثير من العلماء المهتمين بالفضاء مثل غاليليو وهالي وغيرهم.. ولكننا اليوم نكتشف أنه بمعرفة مواقع الكواكب السيارة والأجرام بإمكاننا إرسال الأقمار الصناعية وبمعرفتنا لتحولات القمر وتحركاته يمكننا التنبؤ بالمناخ وحوادث الفيضانات والكوارث الطبيعية.

المتحمسون لسقراط ـ محبيه الكثيرون وهم معذورون ـ قد يقولون: إن سقراط يعلم الإجابة لكنه وجد أن الشخص الذي يسأل لا يملك من العلم ما يؤهله لفهم الإجابة، أو أنه رأى إن الإجابة قد تقود السائل لمعضلة أخرى لأنه ببساطة سيعجز عن الفهم والإدراك، وهذا القول يذكرني بما يردده البعض عند تصنيفهم للناس، وأن بعض القضايا الفقهية والشرعية، لا يمكن زج الناس فيها لأنهم – عوام - ولا يتم نقاش تلك القضايا إلا بواسطة العلماء وطلبة العلم فقط، وغني عن القول إن مثل هذا فيه تسطيح وتجهيل للناس والحكم على إدراكهم وعلى عقولهم بعمومية قاسية ظالمة.

أعود لقصة سقراط فأقول لكل المنافحين عنه إنه- فعلاً - لم يكن يعلم الإجابة أصلا والسبب بسيط وهو أن سبب ملوحة ماء البحر لم يكن قابلا للاكتشاف في عهد سقراط أي قبل أكثر من ألفي عام.. بل كان يحتاج لملاحظة شديدة من قبل علماء الجيولوجيا بالإضافة لأبحاث كيميائية واكتشاف عناصر جديدة تسبب هذه الملوحة، لقد أثبت العلم الحديث أن المحيطات عند تكونها قبل ملايين السنين لم تكن مالحة أصلاً، لأنها تكونت نتيجة هطول الأمطار على مدار سنين عديدة، أيضاً تكونت البحيرات والأنهار وتشبعت الصخور بالأملاح.. لذلك عندما تجري الأنهار لتصب في المحيطات فإنها تحتك بالصخور المشبعة بمركبات كيميائية تشكل الملوحة من هذه المركبات "كلوريد الصوديوم" إذ  يُعد الصوديوم هو العنصر الأساسي لتكوين ملح البحار فهو العنصر النشيط والقابل للتفاعل مع العناصر الأخرى بسهولة والذوبان أيضاً.. تيارات الأنهار تحمل هذه الأملاح بدرجة خفيفة ليس بمقدورنا ملاحظتها، ولكن حالما تصب هذه المياه في البحار والمحيطات فإن الأملاح تصبح مركزة بسبب حرارة الشمس.. وبالتالي يصبح بمقدور حاسة التذوق لدينا أن تستشعر مدى ملوحة المحيطات والبحار، نعم إنها معلومة جهلها سقراط، وليس في هذا تقليل بحقه أو من مكانته الفلسفية، فهو من العلماء الذين خلدهم التاريخ بكثير من الاعتزاز والتقدير طوال أكثر من ألفي عام، ولا زالت آراءه وكلماته تنير الطريق لكل باحث في مجال العلوم الإنسانية والفكرية.. نعم للمعرفة ونعم للسؤال لأنه واحدا من أهم مفاتيح هذه المعرفة.

4 views0 comments