• fatima

الإنسان ..حلم وخيال!


تميزالإنسان منذ الأزل بصفة فريدة لا توجد إلا لديه هو وحده وهي الخيال، وهذه الميزة إذا صح التعبير، ساعدته في التغلب على كثير من الأوجاع والمحن التي مر بها، لكن بسببها نشأت الخرافات، فقد حاول أن يبتكر ويقدم شيئا مختلفا لواقعه القاسي المؤلم الذي يعيشه وكانت الآمال والأحلام هي البديل الذي سرعان ما تحولت إلى خرافات لا تمت للواقع بأي صلة.

أعود للقول بأن الإنسان هو الكائن الوحيد كما يؤكد العلماء يتمتع بعقل يمكنه الخيال، وبالمثل كانت إنجازات هذه الأحلام دوما عظيمة، بمعنى لم ينتج عن الخيال الخرافات وحسب بل إن كل فكرة خلاقة وعظيمة خدمت البشرية كانت بدايتها حلم، ولعل أهم أحلام الإنسان والتي تحققت وعمل لتحقيقها منذ مئات السنين حتى اليوم هو حلم الطيران، ألم يحلم الإنسان وهو يشاهد الطيور تحلق في السماء أن يكون مثلها ويستطيع التنقل بسهولة بدلا من مشقة صعود الجبال ونزول السهول؟ ألم يكن يحلم بمعانقة السحب والسباحة في الفضاء وهو في كل ليلة يجلس الساعات الطويلة ينظر للنجوم والشهب؟

بل إن أحلام الإنسان جعلته متحررا من قيود البيئة وحدود المكان، حرا سيدا على هذا الكوكب، وهو الجانب الذي تحدث عنه مطولا العالم الدكتور جاكوب برونوفسكي، في كتابه المفيد والثري «التطور الحضاري للإنسان » يقول: «تمتلئ كل المناظر الخلوية في العالم بالتكيفات المضبوطة الجميلة، التي ينسجم بها الحيوان مع بيئته فالقنفذ يظل نائما ينتظر حلول الربيع ليتفجر نشاطه ويملأ الحياة، والطائر الطنان يظل يضرب الهواء بجناحيه وهو مصوبا منقاره الدقيق كابره داخل الأزهار المدلاة، والفراشات تحاكي أوراق النباتات، بل وتحاكي بعض الحيوانات المؤذية، كي تخدع المفترسات، ولكن الطبيعة – نقصد التطور البيولوجي – لم تشكل الإنسان ليتوافق مع بيئة بذاتها، حيث أن جهازه يمكنه من التوافق داخل كل البيئات ومن بين هذه الوفرة من الحيوانات التي تعدو، وتطير، وتحفر، وتعوم من حولنا، سنجد الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لم يحبس داخل بيئته، فخياله ومنطقة وحدة ذكائه وخشونته، كلها تجعله قادرا على ألا يقبل بيئته، وأن يغيرها. وهذه السلسلة من الابتكارات التي أعاد بها الإنسان صياغة بيئته على مر العصور هي نوع من التطور مختلف، تطور ليس بيولوجيا وإنما هو تطور حضاري. إن الإنسان يتميز على غيره من الحيوانات بمواهبه التخيلية. أنه يرسم الخطط والابتكارات والاكتشافات الجديدة عن طريق تجميع ملكات مختلفة، وتزداد اكتشافاته حذقا وذكاء وهو يتدرب على تجميع ملكاته بطريقة أكثر تعقيدا وعمقا. ولذا فإن الاكتشافات العظيمة للعصور المختلفة والحضارات المختلفة كلها تعبر في تعاقبها عن اقتران أكثر ثراء وتعقيدا بين الملكات البشرية، عن تشابك متصاعد لمواهبه.

لسنا بحاجة للخرافات لتغذي أي نقص نعاني منه، ولنجعل أحلامنا فعالة مفيدة، ولنبني بواسطتها جسرا للمستقبل ونكون مفيدين منتجين لمجتمعاتنا، وغني عن القول إن أي امة تخفي وتدمر انجازاتها وتلغي ذاكرتها وأحلامها وتهدم ارثها أمة أنانية لا تتمتع بالحس الإنساني والبصيرة لتترك للأجيال التالية ضوء حقيقي من أحلام الماضي لعله يرشد وينير دروب الحاضر والمستقبل، ويساعد في البناء ورخاء الإنسان، لذا نحن أمة تحب الماضي واحلامه وكل هذا العمق التراثي الذي أفرزته تلك الأحلام وتبشر به، ولكن بعين حادة على المستقبل وقلب مطمئن محب للحاضر.

إن إهتمامنا بالتراث هو في الحقيقة واجب إنساني تفرضه القيم والمبادئ، فمن حق الأجيال القادمة أن تعرف كل شيء عن تاريخ الأجداد وعن احلامهم التي باتت واقعا نعيشه، وهو أيضا تصحيح لخطأ الإنسانية اقترفته مرارا وتكرارا عندما حاولت أمم وشعوب تجاهل ماضيها فباتت تعيش الحضارة مستجدية تاريخ الأمم الأخرى، التراث بالنسبة لنا حلم جميل وليس ماضي انتهى، بقدر انه وقود لحاضر جميل ومستقبل واعد لنا وللأبناء. لأن الأحلام والآمال مستمرة وخالدة.


1 view0 comments