• fatima

التربية القويمة


كثير من الآباء والأمهات لديهم هاجس كبير يتعلق بتربية أطفالهم التربية القويمة التي تجنبهم الوقوع في براثن الألم أو التعرض للقسوة والحاجة. الآباء والأمهات يتعبون جسدياً ونفسياً في مرحلة الرعاية والتربية لأطفالهم، ففضلاً عن السعي الذي لا يعرف الكلل لتوفير لقمة العيش، وأيضاً المأوى والملبس لأطفالهم، تجدهم أيضاً يصوبون أعينهم على المستقبل، وما قد يحدث في الغد. هذا الهم يظهر في كثير من كلمات الآباء والأمهات، أو في طريقة تربيتهم وتوجيههم لأطفالهم. مع الأسف، أنه في أحيان كثيرة يفشل الأبناء في تقبل مثل هذا الحرص الإيجابي واستثماره الاستثمار الأمثل، بل إنهم في أحيان يقاومونه تماماً، فيتسببون بألم بالغ لذويهم. ولكن ما هو السبب في مثل هذا الرفض والمقاومة؟!.

القصص من الواقع عديدة ومتنوعة، أسوق واحدة منها تتعلق بإحدى السيدات التي قالت: "لدي ثلاث أبناء ذكور، جميعهم في سن المراهقة، الأكبرعنيد تماماً، وقد تبعه أخوه الأصغر منه، تجدهما لا يتقيدان بالنظام في البيت، ويريدان الخروج والعودة كما يحلو لهما، بحجة أنهما ليسا أطفالاً، هذا السلوك انعكس على تحصيلهما الدراسي. في المقابل، أخوهم الأصغر منهما، عندما أوجهه لأي أمر أو أنصحه بأي عمل، أجده مباشرةً يترجم كلماتي لواقع، بسبب هذا تطور، فلغته الإنجليزية قوية، وبات مثقفاً، لأنني كلما أوصيته بالقراءة، ترك الذي في يده وتناول كتاباً، وهذا التميز يمكن للكل ملاحظته من أسلوب كلامه ومن ملبسه واحترامه وهدوئه، وهذا جميل، لكن غير الجميل أن أخواه بدآ يُرجعان هذا التميز لاهتمامي به، وأنني أوليته عناية أكبر منهما، وهذا غير صحيح نهائياً، بل إنه، وبسبب صغر سنه في السنوات الماضية، كانت كثير من الهدايا لا تذهب له، وإنما لهما.

من خلال هذه القصة، والكثير مما نسمعه، يتضح لنا أن هناك معضلة قديمة في التواصل بين الأبوين مع أطفالهم، فلا يكفي أن توجه لهم النقد والأوامر، وتقول إن عليهم الطاعة العمياء، خاصةً لجيل اليوم، لابد من الجلوس معهم والشرح وضرب الأمثلة، ببساطة، محاولة إقناعهم. الأب الذي يجلس مع أطفاله ويقص عليهم ما مر به من آلام وهموم وعثرات، ثم يقول لهم إنني أريد أن أجنبكم كل هذا الطريق، سيكون أكثر إقناعاً، وسيجد أن الاستجابة له أكثر وضوحاً. وفي قصة تلك السيدة، وكما هو واضح، فجوة تواصل مع طفليها، فلو كانت هناك لغة حوار وتفاهم ونقاش معهما، لما سمعتهما يتحدثان عن أخيهم الأصغر بأنها اهتمت به أكثر منهما، فكلماتهما هذه لم تأت من فراغ أو من اختراع مخيلتهما.

أبناؤنا في مرحلة المراهقة، مع جنون هذه السن، هم حساسون جداً، وأيضاً مشتتو التفكير والاهتمامات. يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: " التربية ترقية لجميع أوجه الكمال التي يمكن ترقيتها في الفرد". وهذا هو الهدف من التربية، محاولة الصعود بأطفالنا نحو مصاف الخير والسعادة والإنجاز والتميز، وهذا لن يأتي بالأوامر والنواهي القاسية الصارمة، بل يأتي بكثير من الحب وإظهار هذا الحب، والتوجيه بالرفق، ومنحهم فرصة للتجربة دون ضرر عليهم، وإشباع فضولهم والسن الذي يعشونها بالثقة بهم.


6 views0 comments