• fatima

العالم مسرح ولكن توزيع الأدوار سيء!


ماذا لو توجهنا إلى الشباب أو الفتيات، بالسؤال التالي: ما هو أبو الفنون؟ ما الإجابة التي تتوقعونها؟ وأين سيذهب تفكيرهم؟ ثم لماذا؟ ودون الدخول في تخمينات وتوقعات لا طائل منها، فإنني أجزم أن السواد الأعظم منهم لن تكون من بين إجاباته المسرح. أما لماذا، فيطول سرد الأسباب والمسببات، لكن الأخطر قد يكون التساؤل عن جدوى المسرح في الوقت الحاضر؟ وهل بقي له دور يؤديه، في جذب الجمهور، أو لإيصال رسالة ما للسواد الأعظم من الناس؟

لا أريد من مثل هذا التساؤلات استفزاز أنصار المسرح ومحبيه ـ وهم كثر ـ إلا إنني أريد الوصول لواقع المسرح العربي بصفة عامة والخليجي بصفة خاصة، وهل هذا الواقع يتماشى ويتماهى مع التطور الذي نشهده في عدة مجالات أدبية وفنية، ومع النمو الحضاري والبشري؟

جميعنا نعلم وندرك أن المسرح ضارب العمق في تاريخ البشرية بأسرها، وأنه بدأ مع الإنسان منذ أزمان سحيقة، وفي أيام الإغريق والرومان كان المسرح بمثابة الوسيلة الوحيدة للتعبير ونشر الأفكار والتأثير في الجمهور، فضلا عن التسلية والترفيه، فمثل هذه الوسائل كانت محدودة وشحيحة، ولم يكن في ذلك العصر سوى المسرح بشكله البدائي أو الألعاب المختلفة بصفة عامة التي تعتمد على القوة البدنية أو السباقات التي تعتمد على بعض الحيوانات كالخيول أو الكلاب وغيرها.

معرفة متأخرة

ورغم هذه البداية الأزلية للمسرح في عمر الإنسانية إلا أنه لم يعرف لدى العرب بصفة عامة إلا متأخرا جدا. ويرجع البعض من الباحثين والمهتمين بتاريخ المسرح العربي إلى أنه لم يبدأ إلا في بداية القرن الثامن عشر أو منتصفه، وقد وضعوا الكثير من الأسباب لكل هذا التأخر، منها أن العرب كانوا في ترحال بحكم البداوة وفي سعي لمطاردة الكلأ والماء، بينما المسرح يحتاج للاستقرار والمدنية. وهناك سبب آخر وهو أن العرب اهتموا بمجالات كالشعر وهو قالب لم يكن يتماشى مع لغة المسرح التي تعتمد في أحيان كثيرة على اللغة المحكية في الشارع بكل بساطة ودون تكلف. ويظهر أن الذائقة العربية في ذلك الوقت لم تكن تستسيغ هذا التوجه. وهناك جانب آخر لا أعلم مدى دقته تتعلق بالوضع السياسي العربي نفسه الذي لم يشجع الفن المسرحي بحكم أنه فن جماهيري وله جانب نقدي لا يخفى على أحد. أما إذا عدنا إلى العصر الجاهلي قبل الإسلام، فيظهر أنهم كانوا مشغولون بعبادتهم للأوثان ولم يكن لديهم متسع من الوقت لتطوير فكرهم والانشغال بهذا الفن العريق، رغم أن كتب التاريخ لديهم كانت تحكي عن أمم قبلهم وحضارات موجودة ومجاورة لهم كالفرس والروم تقيم المسارح وإن بشكلها البدائي، لكن العربي في العصر الجاهلي لم يلتقطها، لأنه كان مشغول بالتقاتل والحروب كحرب البسوس التي استمرت نحو أربعين عاما، فضلا عن حروب الكر والفر.

ثم واجه المسرح العربي أيضا بعد بدايته أسئلة حول هويته، حيث بدأ الحديث في جدلية أخرى تتعلق بلون وشكل المسرح العربي هل هو عربي يحمل الهوية والطابع العربي أم انه مستنسخ من فنون مسرحية أخرى كالمسرح الانجليزي أو الايطالي أو الفرنسي ونحوها. بل حتى البداية لما يسمى المسرح العربي كانت هزيلة ومتواضعة حيث يرجع البعض الفضل لمارون النقاش، والذي عرض في عام 1847م أول عمل مسرحي مكتوب بعنوان: “البخيل”، وقدمه للجمهور في منزله، لذا يعتبر الكثيرون من المؤرخين العرب أن هذا التاريخ هو تاريخ بداية المسرح العربي. وكان واضحا ان النقاش تأثر بشكل بالغ بالمؤلف الفرنسي الشهير موليير، لتبقى قضية هوية المسرح العربي محل تساؤل وتحتاج لمزيد من الدرس والبحث، ذلك أنه حتى من جاء بعد النقاش كأحمد القباني الذي يعتبر أول من قام بإدخال الأغنية في المسرح، وقدم ثلاثين عملا مسرحيا استوحاها من التاريخ إلا أنه أيضا ترجم عن الكاتب الفرنسي راسين، ومن هذه الجزئية القي الضوء على عدد من الكتابات لعدد من الباحثين الذين أكدوا أن بداية الكتابة المسرحية العربية كانت خجولة وأخذت عن المسرح الفرنسي والايطالي مع الحذف والإضافة لتتناسب والطبيعة العربية. وبرغم هذا كان واضحا العمق غير العربي في تلك الأعمال المسرحية الأولى.

هذا الوضع هو الذي جعل كاتب ومؤلف بحجم كبرت بريفر يقول: “إلى يومنا هذا لا توجد دراما عربية، بل توجد فقط دراما باللغة العربية”، وهو يشير إلى أن ما تم تقديمه إنما هي ترجمات أو تقليدات كانت تحاكي بطريقة أو أخرى الأسلوب الأوروبي لا أكثر، هذا لا يجعلنا نتجاهل أو نتجاوز بعض الجهود الفردية الرائعة التي سطرها التاريخ لبعض الرموز العربية التي اهتمت بهذا المجال كالكاتب المصري يعقوب صنوع، الذي تمكن في عام 1870م من إقامة مسرح على منصة كانت موجودة في حديقة عامة، ويعد هو أول من أدخل العنصر النسائي على المستوى العربي في مسرحياته، حيث كان يتم سابقا أن يقوم الرجل بهذا الدور، كذلك لا يمكن أن نغفل دور توفيق الحكيم، الذي يسمى من محبيه بلقب “والد المسرح العربي” حيث يعتبر أنه هو الذي جعل المسرح فرع من فروع الأدب العربي وأنه قدم أكثر من خمسين عمل مسرحي مختلفة القصص والحبكة والشخصيات.

فن نخبوي

المسرح بدأ متأخرا جدا في الوطن العربي بصفة عامة، بل إذا تتبعنا مسيرته في كل دولة على حدة على سبيل المثال المغرب العربي أو دول الخليج العربي وغيرها، فسنجدها متباينة من حيث البداية والاهتمام والأعمال، هذه البداية المتأخرة التي لا تتواكب أبدا مع قدم هذا الفن الإنساني العريق، يواجه اليوم أيضا تحديات كبيرة جدا يرى البعض أنها تحديات غير مبررة، ولعل من أهم هذه التحديات هو العزوف الحكومي عن الاهتمام بهذا الفن وعن دعمه، وأيضا تراجعه أمام فنون أخرى كالسينما ـ على سبيل المثال ـ التي نجحت في استخدام وسائل التواصل والتكنولوجيا الحديثة، فلم يعد الفيلم يشاهد بالحضور إلى دور السينما وحسب أو بواسطة مشاهدته في المنزل عبر (الدي في دي) (DVD) بل يمكنك مشاهدته في أي وقت بواسطة الكمبيوتر أو أجهزة الاتصال الحديثة عبر مواقع مخصصة لتحميل الأفلام، وهذه ساعدت في تكوين جماهيرية كبيرة بشكل واضح وملموس.

الدعم الحكومي عند المطالبة به لابد أن يكون دعما نزيها بمعنى توفير الإمكانيات للمسارح ومكافآت مالية مجزية للممثلين والكتاب والمخرجين وغيرهم دون التدخل في تفاصيل العمل نفسه، أيضا لا يجب جعل هذا الفن نخبوي بمعنى مهرجانات وندوات ومحاضرات لا يتواجد فيها إلا المهتمين من الدارسين والباحثين، بل يجب أن يكون متوجها للجمهور نفسه، ثم دعم المسرح المدرسي وتنمية معرفة الجيل الجديد به، فهو الأساس. هذا إذا أردنا فعلا أن نصل إلى العالم وأن يكون لدينا مسرح نفاخر به وبرسالته.

يقول رياض عصمت، في كتابه الذي حمل عنوان “رؤى في المسرح العالمي والعربي”: “لن ننتزع لأنفسنا نحن العرب مكانة واحتراماً في العالم إلا عن طريق ما هو درامي يتكامل فيه المغنى والفن ليعبر عن هوية وحضارة أمة عريقة ومعاصرة في الوقت نفسه”. وهذا الكلام في محله تماما، فعلينا اليوم مهمة أساسية وكبرى تتعلق بدعم المسرح ومحاولة تعويض ما فات من الزمن، ليقوم برسالته تجاه المجتمع في تنمية الثقافة الناس وتوعيتهم، وهذه من أبسط مهام المسرح، فالكاتب ليو تولستوى، كان يعتبر المسرح وسيلة لتثقيف غير المثقفين، بل في أحد أعماله كانت حكاية عن شيطان يحاول أن يخترع وسيلة لإلهاء المزارعين الذين يعملون بشكل متواصل وبكد وتعب، وهو يريد أن يوصل رسالة للجمهور مفادها أن المال الوفير قد يجلب الفساد، وهو لم يحد عن ما يسمى بالمسرح الأخلاقي فقبل وفاته كتب آخر مسرحياته ووصفها بأنها محاولة لتعليم الناس وتنمية ثقافتهم ومعرفتهم، وهو يعتبر هذه واحدة من مهام المسرح.

لتكن نظرتنا نحو المسرح والمسرحيين أكثر جدية وأكثر ايجابية لندعمهم بكل جهد، فبواسطتهم يمكننا أن نصل للعالم بأسره، ألم يقل المؤلف والكاتب الكبير اوسكار وايلد: إن العالم مسرح ولكن توزيع الأدوار سيء...

-------------------------------------------------------- -

لمشاهدة المقال في جريدة الاتحاد

على الرابط التالي:

http://www.alittihad.ae/details.php?id=53417&y=2012&article=full


7 views0 comments

Recent Posts

See All