• fatima

خيبة جوته!


قصص النجاحات منذ فجر التاريخ حتى يومنا ملهمة لنا جميعاً، فهناك أشخاص تغلبوا على الألم والضغوطات والاحباطات واليأس وحققوا نجاحات مدوية غير مسبوقة ليخلد التاريخ أسماءهم بكل فخر.. إنني أتحدث عن علماء ومصلحين اجتماعيين وقادة وحتى مواطنين عاديين بنوا لأنفسهم انجازات وقصصا خالدة، الدارس لحياتهم سيكتشف أن وراء نجاحاتهم أسرارا كثيرة، فليس السر يكمن بذكائهم أو قوة شخصيتهم أو بالدعم الذي حصلوا عليه وحسب، وإنما بالتفاؤل وطرد شبح التشاؤم وإبعاد النظرة السوداوية لحياتهم وظروفهم القاسية، بل الانطلاق برحابة من التفكير والسمو عن المعكرات والمثبطات والعمل بجدية وتواصل دون تردد او خوف، مسخرين ما يملكون من تفكير وعلم للإرتقاء وتجاوز الصعاب غير آبهين للعقبات أو أي من الظروف والمشاكل التي قد تعقيهم أو تحد من تقدمهم، مهما كانت هذه المشاكل والصعوبات.

لعلي لا أكون مبالغة إذا قلت أن هذا هو السبب الرئيسي في نجاحهم وتميزهم.

الفتاة العمياء

هيلين كيلير، تلك الفتاة العمياء والصماء من ضمن تلك الشخصيات الملهمة التي نردد اسمها كمثال عن معنى الصمود والإرادة متعجبين من السر الذي يدفعها لمواجهة كل الصعاب من أجل تحقيق أحلامها. فهي تعتبر من أشهر الشخصيات التي ولدت في القرن التاسع عشر، فقد أصيبت بالإعاقة جراء الحمى بعد عامها الأول وكان الأطباء يعتقدون أن لا فرصة لها في الحياة.. رغم ذلك استطاعت النجاة من الموت لكنها فقدت قدرتها على البصر والسمع.

تقول هيلين كيلير في كتابها “قصة حياتي العجيبة”: “في طفولتي كانت يداي تتحسسان كل شيء وتستشعران كل حركة، وبهذه الكيفية أمكنني أن أتعلم الكثير من الأشياء”. المذهل في حياة هيلين هو شغفها بالتعلم وإصرارها على ذلك.. فقد أرادت في طفولتها ان تذهب إلى المدرسة وتنافس الأصحاء من أجل تحقيق حلمها بمواصلة تعليمها العالي في جامعة مرموقة والحصول على أعلى الشهادات، ولم يجد أهلها سبيلاً بإقناعها ان تغير رأيها، وبعد إصرارها وكفاحها وتغلبها على جميع الصعوبات تمكنت من الالتحاق بمدرسة كامبردج رغم أن الأساتذة والمعلمين لم يمتلكوا أي خبرة في كيفية تدريس الطلبة الصم والمكفوفين.. لكنها أظهرت تميزا وتفوقاً في مدرستها، وكانت تؤدي امتحاناتها عن طريق الآلة الكاتبة في قاعة لوحدها كي لا تزعج الطلاب الآخرين وتؤثر على تحصيلهم العلمي.. وغني عن القول إنها كانت تواجه صعوبات بالغة في استذكار الدروس ومراجعتها، لأن المناهج الدراسية صممت لطلاب عاديين لكنها كانت تعتمد على كتب (برايل) التي كانت تتأخر في الوصول إليها دائماً. وليست هذه المعضلة الوحيدة التي اعترضتها فالكتابة عن طريق (برايل) تتم وفق نظامين واحد انجليزي وآخر أميركي، وكانت هيلين قد تعلمت على النظام الانجليزي وفي أحد اختباراتها للقبول في كلية رادكليف ـ وهي الكلية التي أرادت أن تكمل تعليمها العالي فيها ـ فوجئت بأن النظام الأميركي بات مستخدماً في أوراق الامتحانات قبل تأديتها لهذا الاختبار بساعات قليلة، لكنها استطاعت تجاوزه بنجاح باهر وقد كان امتحان مادة الجبر!

بعد كل هذه المشاق، استطاعت هيلين كيلير أن تحقق ما حلمت به حيث ذكرت في كتابها: “على الرغم من صعوبة الامتحانات الشديدة بالنسبة لي كانت معنوياتي مرتفعة وتولدت لدي القناعة بأني تمكنت حقاً من قهر كل الصعوبات وبالفعل تحقق أملي العظيم في نهاية المطاف وأصبح بمقدروي الالتحاق بكلية رادكليف!”.

من خلال هذه الكلمات قالت لنا هيلين السر الذي يكمن وراء كل قصة نجاح.. إنها المعنويات المرتفعة والتفاؤل. إن التفكير الإيجابي ليس مجرد شيء مثالي يصعب تحقيقه، كما أن الإحساس بالرضى والقناعة ليسا مجرد شعارات نرفعها.. إنها إحساس نحن من نقرر أن نتحلى به.. وهو إحساس يقودنا للنجاح. وقد يجادل البعض أنه لا يستطيع التحكم بمشاعره، وهذا غير صحيح إطلاقاً، فقد ثبت علمياً بما لا يجعل مجالاً للشك أن الإنسان قادر أن يغذي نفسه بمشاعر الاطمئنان والتفاؤل حيث ذكرت منظمة الصحة النفسية في عام 2004: “إن التفاؤل عملية نفسية إرادية تولّد أفكار ومشاعر الرضى والتحمل والأمل والثقة، وتبعد أفكار ومشاعر اليأس والانهزامية والعجز، فالمتفائل يفسر الأزمات تفسيراً حسناً، ويبعث في النفس الأمن والطمأنينة، كما أن التفاؤل ينشط أجهزة المناعة النفسية والجسدية، وهذا يجعل التفاؤل طريق الصحة والسعادة والسلامة والوقاية. في حين يعتبر التشاؤم مظهراً من مظاهر انخفاض الصحة النفسية لدي الفرد لأن التشاؤم يستنزف طاقة الفرد، ويقلل من نشاطه، ويضعف من دوافعه، كما أن أسلوب التفسير التشاؤمي، هو أحد الأسباب المؤدية للإصابة بالإمراض الجسمية المختلفة، وانخفاض مستوى الأداء الأكاديمي والمهني”. هذه كلمات علمية بمثابة دليل وشاهد على أن الإنسان هو الذي يستطيع أن يقرر مصيره أو مستقبله، وهذا يبين لنا أن التشاؤم سبب في بقاء الشخص على حاله وعدم تقدمه أو تغيره للأفضل، وأن التفكير الإيجابي هو الطريق لرسم نجاح أبدي.

الطيران بالمنطاد

حكايات التفاؤل والتشاؤم هذه، تقودنا إلى قصة حصلت مع أديب ألمانيا العظيم يوهان فولفجانج جوته (28 أغسطس 1749 - 22 مارس 1832) الذي فوت على نفسه أن يقدم للعالم اختراعا مذهلا وهو التحليق بالمنطاد، وذلك بسبب تقاعسه وتردده والذي نتج عن تشاؤمه. وبدأت القصة عندما فكر الأخوين مونجولفييه باختراع أداة تجعل الإنسان قادراً على الطيران، وتوصلا إلى فكرة المنطاد وباشرا العمل على صنعه.. وبالفعل تمكنا بعد عمل مضنٍ، وعدة تجارب فاشلة، أن يخترعا النموذج الصحيح لمنطادهما. وفي باريس عام 1783 اجتمع حشد غفير من الناس ليشهدوا أول صعود ناجح لمنطاد في تاريخ البشرية.

وفي أثناء هذا النجاح الباهر الذي حققه منطاد الأخوين مونجلفييه كان هناك من يعمل على تطوير هذا الاختراع وهو الأستاذ شارل.. فقد صنع منطاداً آخر يختلف عن منطادهما، إذ استعمل غاز الهيدروجين لرفع المنطاد ووضع فيه الرمال لكي يجعل المنطاد راسياً، وغيرها من العمليات التطويرية، وعندما أتى يوم إقلاع المنطاد بحضور عدد هائل من الناس، أتى رسول من ملك فرنسا يقول أنه منع عملية الإقلاع لخطورة استخدام غاز الهيدروجين كونه سريع الاشتعال، لكن شارل كان مصمماً على التحليق بمنطاده، فقال أنه سينتحر من فوره إذا تمسك الملك بقراره، وبالتالي فإن سر المنطاد سيذهب معه إلى القبر! (الإصرار على تحقيق الأهداف والثقة به) فلم يجد الملك سبيلاً سوى أن يرفع المنع، وحلّق المنطاد في سماء باريس في نفس العام الذي أطلق فيه الأخوين مونجلفييه منطادهما. ورغم أنه جاء بعدهما إلا أنه ظل مستخدماً قرناً كاملاً..

في خضم هذا التسابق العلمي المبهر والذي نقل البشرية نقلة قوية وجعلها قادرة على الطيران، كان الشاعر جوته يراقب المناطيد تحلق وبحسرة شديدة، فالمفاجأة كانت تكمن في أن جوته خطرت له فكرة اختراع المنطاد قبل الأخوين مونجلفييه وشارل، لكنه تقاعس عن العمل بها ولم يؤمن بأهميتها.. وقد كتب بحسرة عبارته الشهيرة التي قال فيها: “لقد خرجت المناطيد للوجود، وما كنت إلا قاب قوسين أو أدنى من اختراعها، وهذا هو الأسى يتملكني لأن الحظ جانبني فلم أكن السبّاق لابتداعها”.

التفاؤل ليس هبة أو خصلة في شخصية الإنسان إنما مهارة يتعلمها الفرد حتى يتقنها، تتمثل بالصبر والتفكير بشكل إيجابي والاستمرار بالمحاولة وامتلاك إرادة حديدية وقناعة جازمة أن الهدف قابل للتحقيق..

أيضاً التشاؤم لا يتعلق بشخصية الإنسان، وليس صحيحا أنه يولد متشائماً، بل التشاؤم هو ما نكتسبه من خلال تعرضنا لإحباطات وصعوبات مستمرة، وهذا ما ذهب له مؤسس علم النفس الإيجابي مارتن سليجمان في كتابه “تعلم التفاؤل” حيث قال: “إن التفاؤل يمكن تعلمه، فنحن لسنا متفائلين بالفطرة أو متشائمين بالفطرة”.

لذالك أعتقد اليوم أكثر من أي يوم مضى إلى أنهما ـ التفاؤل والتشاؤم ـ معديان.. بمعنى آخر يمكن اكتسابهما من الاحتكاك بالآخرين.. فملازمة المتشائمين بكثرة تجعلك مثلهم ذا نظرة سوداوية للحياة ومتردد وغير مقدام.. ولكن صحبتك للمتفائلين تجعل الحياة بنظرك أبسط وأكثر إثارة ويمكنك مواجهة العثرات بشكل إيجابي.

أنظر حولك جيداً وأحسن اختيار الرفقة والأصدقاء أولاً، ثم غذي عقلك وروحك بالأفكار الجميلة، واغمر وجدانك بالصبر والتفاؤل، وستجد النتائج الإيجابية تنهال عليك تباعاً، فالحقيقة تقول لك وبوضوح: التفاؤل هو ما يقودك نحو مجدك.. والتشاؤم يبقيك حيث أنت.

---------------------------------- -

يمكنكم مشاهدة المقال في جريدة الاتحاد

عبر الرابط التالي:

http://www.alittihad.ae/details.php?id=55493&y=2012&article=full


6 views0 comments

Recent Posts

See All