• fatima

قراءة ذاتية.. للآخر


دائماً ما يشعر الإنسان بالرغبة في التعبير عن نفسه، محاولاً اظهار الشخصية التي تمثله وتعبر عن أفكاره.. قد يلجأ لأدوات وأساليب تساعده في ذلك مثل هيئة ثيابه وأسلوب كلامه وتصرفاته.. الشباب بالذات هم الأكثر رغبة بإبراز شخصياتهم وامكانياتهم، وفي سبيل ذلك تجدهم يواكبون آخر صرعات الموضة، ويقتنون أحدث الأجهزة، ويتقمصون هيئات وأشكالاً ليست من وطنهم ولا تمثل فِكر مجتمعهم بأي حال من الأحوال.. كأشكال مغني الروك والراقصين وفناني الغرب.. قد تتطور الحالة لدى بعض من الشباب ويصبح تأثرهم بالغرب ليس مجرد ثياب وحركات مستوردة، بل أيضاً أفكارا يتبنونها ويعيشون وفقاً لها.. لا أريد أن يفهم القارئ أنني ضد التطور والنمو العقلي والفكري، ولكنني أعني تبني الأفكار الغربية التي تدعوا للانحلال والتجرد من الأخلاق والدعوة للتحرر.

في ظني أن الشاب يعيش هذه الحالة لأنه لا يشعر بالفخر والانتماء لعروبته ووطنه.. فهو يعتقد أن الغرب هم قادة العالم وهم المثل والقدوة في التطور والحضارة.. وهذا الاعتقاد حصل نتيجة المد الغربي، فقوة الانتاج لديهم وتفوقها في عدة حقول كالصناعة والتقنية والاختراع والفن والرياضة وغيرها.. فرضت نفسها على عقول شبابنا بشكل قوي، رغم ذلك لفتة بسيطة للتاريخ العربي كفيلة بجعل هذا الشاب يغير نظرته الدونية عن هويته.. بل إن الغرب يمجد تاريخنا ويثني عليه ويدرسه حتى يومنا هذا.. على سبيل المثال الطب، في فترة من فترات عمره كان يتم تدريسه باللغة العربية في الجامعات الأوربية، وُيعد كتاب “القانون” والذي ألّفه العالم العربي ابن سينا هو المؤسس لعلوم الطب والذي بنى أساسه ورسخ قواعده.. وقد تم تدريس هذا الكتاب في جامعات أوروبا حتى القرن السابع عشر، ولم يكتف العرب بتأسيس علم الطب بل تعمقوا في تفاصيله وفروعه ففي الجراحة يُعد الزهراوي أول من استخدم جلود الحيوانات في الخياطة.. أما في الصيدلة فالعالم الكيميائي والطبيب ابو بكر الرازي استخدم العناصر الكيميائية لصناعة الأدوية ويعتبر سباقاً في هذا المجال..

مقارنات

بالنسبة لعلوم أخرى كالكيمياء فالمقارنة بين علمائنا العرب والغرب قد تكون خير برهان على دور علماءنا في إثراء بحر هذا العلم على سبيل المثال، لنقارن بين العالم الفرنسي لافوازييه والعالم العربي جابر بن حيان، كلاهما لقب بـ”أبو الكيمياء” وكلاهما كتب التاريخ عنهما أنهما أسسا هذا العلم وأخرجاه من بوتقة السحر والشعوذة لعلم راسخ له قوانينه.. لكن جابر بن حيان عاصر الدولة العباسية.. أما لافوازييه فقد عاصر حكم ماري انطوانيت والثورة الفرنسية، وبالتالي يتبين أن جابر بن حيان أقدم وأعرق وأسبق للكيمياء من لافوازييه.. على صعيدٍ آخر، الفيزيائيون يمجدون العالم نيوتن وقوانينه التي أثرت فضاء الفيزياء، لكن ورغم انجازات نيوتن العبقرية يظل العرب سباقون في الفيزياء أيضاً.. فالقانون المعروف بـ”قانون نيوتن الأول للحركة” والذي ينص على أن الجسم يبقى على حاله من سكون أو حركة منتظمة في خط مستقيم ما لم تجبره قوة خارجية على تغيير حاله.. هذا المبدأ اكتشفه العالم العربي ابن سينا قبل نيوتن بستة قرون!! ونظريات انكسار الضوء المنسوبة للعالم سنِل اكتشفها العالم العربي ابن الهيثم قبله، بل إن سنِل نفسه لجأ لدراسات وأبحاث ابن الهيثم في مجال الضوء..

قد يرى البعض أن مثل هذه الكلمات انتهى وقتها وبتنا في زمن يعتبر فيه العالم قرية صغيرة وذلك بفضل وسائل الاتصال الحديثة والتقنيات المتطورة باستمرار في مجال شبكة الانترنت والبرمجيات وعلومها، وهذا القول يحتمل الصواب إلا إنه من الخطورة تعميمه والتسليم به فهو صحيح في جانبه التقني ومساعدته للإنسانية لمزيد من التواصل والتلاحم فيما بينها، كما أن هذه الوسائل الحديثة ساعدت في تنمية الفهم بين الشعوب والأمم المختلفة، ولكن هل تمكنت من إيقاف الحروب؟ هل ساعدت في الحد من سباق التسلح والسباق النووي؟ ألم نسمع بدول تغزوا دولا أخرى وتحتل أراضيها؟ ألم تلفحنا الأخبار بمزيد من القتل والتهجير وسفك الدماء؟.

هذه هي القضية الجديرة بالإنتباه، فالإنسان كما يظهر لم يتخلص من تطلعاته لما في يد أخيه الإنسان، وإن كانت البشرية قد ودعت العصر الحجري وما تبعه من غزوات وحروب من أجل الطعام ومزيد من المكتسبات الحياتية، فيظهر إنه بعد الآف السنوات لا زال الإنسان نفسه يملك تطلعات عدائية لم تخفف من ثورتها ونزقها لا التقنية ولا القانون الدولي ولا ما ورثه الإنسان من قيم ومبادئ..

احتياجات

قد نسمع من يقول، هل هذا يعني أن نهمل المخترعات والاتصال بالغرب ونتجاهل التقنية فقط من أجل الحفاظ على الهوية، ومن أجل أن لا نكون مستهلكين مستفيدين من التوهج الحضاري الغربي؟ بطبيعة الحال غير ممكن، ومن يدعو لمثل هذا القول، يعتبر ذا تفكير سطحي تماما، فنحن ماذا نكون دون التقنيات الحديثة وما هو حالنا دون المخترعات التي ساهمت وسهلت حياة الإنسانية باسرها، في هذا السياق أتذكر كلمة للشيخ محمد الغزالي رحمه الله، من أحد مؤلفاته القيمة قال فيها: إنه في المجتمعات العربية التي تستورد كل شيء، من الإبرة إلى السيارة إلى الطائرة و من الطعام إلى اللباس، لو قيل للأشياء ارجعي إلى حيث صُنِعْتِ فرجعت لأصبح العرب حفاة عراة لا شيء عندهم.

..وهذا مع الأسف حقيقة فكيف هو حالنا دون السيارة الامريكية وكيف نكون دون الـ”آي باد” والـ”آي فون” والـ”بلاك بيري”، بل هل يمكن أن تتخيل الحياة دون شبكة الانترنت، وكيف يمكننا أن ننتقل دون الطائرة والقطار، كيف هو حال مرضانا في المستشفيات دون الاجهزة الطبية الحديثة التي تمدهم بالأمصال والأدوية بشكل الكتروني وفي أوقات منتظمة دقيقة...

بطبيعة الحال فإن المقصود ببساطة هو التواصل بل والتحاب ونشر قيم السلام، لكن لكي تكون مقنعا وتجد آرائك صدى في نفوس وقلوب الآخرين، لابد أن تكون قويا ومقنعا بما تملك من المعرفة. الفقير سيكون مشغولا بالبحث عن طعام يسد به جوعه ومأوى يستظل فيه، والجاهل سيكون عبئا على نفسه ومجتمعه بجملة من المشاكل والاحداث المؤسفة التي سيوقع نفسه فيها، والضعيف سيكون منشغلا بالبحث عن الأمان والاستقرار، وسيكون تحت ظل قوي آخر، هذه مفردات وأفكار معروفة، لابد أن تكون قويا بالعلم والمعرفة، ولا بد أن تكون غنيا وثريا بالقيم النبيلة والمبهجة لتكون محط أنظار الآخرين فتكون لآرائك صدى ولكلماتك وقع، فتكون مؤثرا في العالم، هذا على المستوى الشخصي وينطبق الحال بطريقة أو أخرى أيضا على الأمم والشعوب، فالشعب المتسلح بالعلم، الذي تقل فيه الأمية وتنتشر فيه طبقات المتعلمين سيكون قويا وأكثر حركة وديناميكة مع العالم يؤثر ويتأثر بإيجابية وفهم ودراية ومعرفة..

لكن لماذا توجهت في بداية كلماتي نحو الشباب، وحسب؟ لأن الشباب وبطبيعة الحال والفتيات أيضا، هم الشريحة الكبرى في مجتمعاتنا، وهم أيضا أمل المستقبل، والسواعد التي ستواصل البناء والمسيرة، ومن الأهمية إذن أن يكونوا اكثر وعيا بما سيعترض طريقهم، وأيضا بما ينتظر منهم أن يحققوه لأوطنهم وأمتهم. ومن هذه الجزئية أتوجه بالدعوة لإيلاء هذه الشريحة المزيد من الاهتمام والرعاية، يجب تفعيل المزيد من البرامج الوطنية التي تستهدفهم والتي يجب أن تأخذ على عاتقها تنمية معرفتهم، أجد أنه من المهم ان يتم تغذية المناهج الدراسية بفصول ومواضيع توعوية تربوية عن دورهم المستقبلي وعما ينتظرهم، يجب ان يدركوا الاخطار التي تتهدد الوطن، وكيف نحافظ على منجزاته ومدخراته. وفي ظني أن العقول من علماء التربية والنفس والاجتماع لن تعجز عن وضع رؤية كإستراتيجية او خارطة طريق تستهدف الشباب والفتيات، فتأخذ بأيدهم نحو المستقبل المشرق لصالح هذا الوطن المعطاء.

وعلى الجانب الآخر يجب أن ننمي الوعي أننا أمة وحضارة وتاريخ ومجد لا أحد يجادلنا فيه.. ولكن عوامل الاستعمار الذي تعرضت له بعض الأوطان العربية والغزو الذي حل بدول أخرى عطّل نهوض الحاضرة وشكّل جراحاً لم تلتئم حتى اليوم، ولكن هذا التوقف عن الإبداع والانتاج والتجديد في العلم طال جداً.. ما نحتاج إليه لجعل ماضينا المجيد حاضراً هو التوقف أولا عن تقمص هيئات وأفكار لا تمثلنا ثم يجب أن نكون أقرب لهويتنا وأكثر فخراً بها ثانيا.. وهذا بلا شك تقع مسؤوليته على شبابنا وفتياتنا، فعليهم أن يمتلكوا روح المبادرة والمسؤولية للنهوض بحضارتنا.. ويجب على المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني مساعدتهم والوقوف معهم، والأخذ بأيديهم نحو المستقبل المشرق، الذي لا تساورني الظنون انهم سينجحون في بلوغه بتميز وبإنتماء أكثر صدق وحميمية لهذا الوطن المعطاء.

------------------------------------- -

يمكنكم مشاهدة المقال في جريدة الاتحاد

عبر الرابط التالي:

http://www.alittihad.ae/details.php?id=40984&y=2012&article=full


3 views0 comments

Recent Posts

See All