• fatima

الحاجة لصناعة أسطورة !


محاطين بجديد العلم وعراقة التقاليد نصارع ما بين تقبّل الحقيقة وما بين الإيمان بالماضي. الحقيقة هي التي يكشفها العلم، والإيمان بالماضي هو الذي نتج بسبب الخرافات والأساطير، ولكي ننهي هذا الصراع ونتقبل الصدمات المتتالية من الحقائق التي تدمر قناعتنا الدفينة علينا أن نفهم كيف نشأ الاعتقاد أو الأسطورة أو الخرافة.

بدأ كل شي عند الإنسان القديم قبل ملايين السنين، في ظلام الغابات وعمق الكهوف وعلى أمواج المحيطات، مع حياته المهددة من قبل الدببة والأسود والذئاب، راقب هذا الإنسان السماء والأرض والبحر، وتأمل الظواهر الطبيعية من مطر ونار ورعد وبرق وعواصف، ولاحظ تقلّب المواسم من شتاء لصيف، ولاحظ كيف تثمر الأشجار في مواسم وفي مواسم يعم الجفاف والقحط والمجاعات الأرض، هذا الإنسان الذي يفتقر لكل أدوات التجربة والتقنية، الذي يعيش بعشوائية وعفوية مفتقراً لما يسمى بالمنهج العلمي، ليس إلا إنساناً مثلنا يتساءل عن ماهية هذا العالم ويبحث عن الأجوبة وفق طريقته بالتفكير وخبرته البسيطة، لكنه يكره حقيقة جهله، ويريد أن يضع أسباب لكل ظاهرة يراها مهما بدت هذه الأسباب مضحكة لنا اليوم، هي كانت حقيقة جازمة لأجدادنا قبل ملايين السنين. وهذا كان منشأ الأساطير، فالشمس ليست كتلة من الغازات المحترقة ونجم يسبح في الكون مع بقية النجوم، بل هي عربة متوهجة يقودها الإله، ولكن ماهو القمر؟ إنه ليس جرم سماوي تابع للأرض وفق قوانين الجاذبية، بل هو عربة أخرى تقودها شقيقة إله الشمس، إن الرعد هو صوت إله يجلس في السماء والبرق هو وزيره الأمين والعواصف البحرية ليست إلا سخطاً من إله البحار، الأشجار والمزارع المثمرة دليل على رحمة آلهة الأرض ولكن سنوات القحط والجفاف دليل غضبها لذلك يجب أن نقدم لها القرابين البشرية والصلوات اللانهائية.

هذه الأساطير التي عفا عليها الزمن كانت تتناقل شفوياً بين الآباء لأبناءهم ومع كل رواية هناك مزيد من التفاصيل والأحداث، لم يبدأ تدوين الأساطير كتابياً إلا عندما بدأ الشعراء بسردها في قصائدهم وهكذا تم حفظ هذه القصص التي تبيّن لنا كيف كانت نظرتنا للعالم.

يعتقد البعض أن عصر الخرافة انتهى وأنه لا فائدة تذكر من دراستها أو الإطلاع عليها، غير أنه هذا اعتقاد باطل تماماً، حيث تكمن أهمية دراسة الأساطير في عدة نواح، أهمها النواحي الفنية أو الأدبية، حيث تلعب الأسطورة دوراً فعّالاً في التأثير على عقول الأدباء والموسيقيين الرسّامين والنحّاتين، ولفهم إنتاجهم نحتاج أحياناً أن نمتلك فكرة مبسطة عن الخرافات التي ألهمتهم للإنتاج.

الجانب الآخر هو تأثير الأساطير على اللغة حيث إن كثيراً من الكلمات الإنجليزية مقتبسة من الإغريق والرومان مثل شهر جون، هو اسم ملكة الآلهة الرومانية جونو، ويوم الخميس ثيرسداي مثل اسم آلهة الحرب الجرماني ثور، لذلك يهتم علماء اللغة في البحث في الأساطير لإيجاد جذور بعض الكلمات.

الأهم من هذا كله هو أن الأساطير هي حلقة وصل بين أسلوب تفكيرنا الحالي وبين الأسلوب الذي كان يفكر فيه أسلافنا، توضح لنا الأساطير الطريقة التي نظروا فيها نحو العالم، يمكننا من خلال هذه النظرة أن نقوم ببعض الاسقاطات على الحاضر، ونتساءل هل لازلنا نلجأ لخلق الخرافة لتفسير الأمور من حولنا؟ هل لازلنا نتجاهل دور العلم في الكشف عن الحقائق ونلجأ للاعتقادات القديمة ونسمح لها أن تكون المفسر والشارح الوحيد والمُجيب لاسئلتنا؟


6 views0 comments

Recent Posts

See All