• fatima

الشفاهة أصل التاريخ


تحفل كتب التاريخ بالأحداث والمواقف على مر الأزمان، وبرغم هذا يجد الإنسان أن هناك فجوات زمنية طويلة في عمر الإنسانية من تدوين بل من دون ذكر ، ويعتبر بعض العلماء أن الجزء الأكبر والأطول من عمر الإنسانية بقي مجهولاً ولم يتم فيه تدوين أي أحداث وقصص، وهم يشيرون إلى الحقبة التي عاش فيها الإنسان دون الكتابة والحديث -الكلام.

وهو ما أشار له الدكتور محمد ماهر حمادة، في مؤلفه البحثي القيم: الكتاب في العالم، عندما قال: "يعتبر اختراع الكتابة الحد الفاصل بين عهدين، عهد ما قبل التاريخ والعهد التاريخي، حيث يميز العلماء والمؤرخون في تاريخ الإنسانية المدون بين عهدين العهد الذي لم تصلنا سجلات مكتوبة عنه، وهو عصر طويل موغل في القدم، وتصلنا المعلومات عنه من البقايا المادية لشعوب تلك الفترة، والعهد التاريخي الذي يبدأ عادة في أوائل الألف الثالثة قبل الميلاد حيث بدأت تصلنا سجلات مكتوبة استطعنا أن نتعرف بواسطتها على حياة تلك الشعوب".

يمكن أن نضيف أنه رغم هذا العمر القصير في تاريخ الإنسانية فإن المراجع التي نعتمد عليها تتلبسها بعض الضبابية والغموض، وبالتالي فإن ما يطلق عليه العهد الثاني التاريخي ليست الحقبة التاريخية الواضحة بكل تفاصيلها، الغريب في هذا السياق أن كثيراً من الأحداث التاريخية نقلت لنا بواسطة المشافهة – الحكي أو الكلام - أي من خلال ما يعرف بالراوي والذي يعرف أيضا بالقاص، حيث يروي الأجداد للآباء والذين يقصون الأحداث على الأبناء وتنقل إلى الأحفاد وهكذا تستمر السلسلة جيلا وراء جيل. وهذا يعطي دلالة على قدم مهنة الراوي إذا صح تسميتها بالمهنة.

صحيح أن بعض القصص شهدت زيادات وتهويلات ، حتى تحولت إلى ما يشبه الأساطير والأحداث الخارقة للعادة. وهو عيب خطير إلا إنها تظل صالحة للاستئناس بها في فهم بعض المواقف أو العادات لدى بعض الشعوب المنعزلة أو البعيدة عن وهج الحضارة.

لذا فإن الراوي ، وما يعرف بالتاريخ الشفاهي بدأ مع بداية الإنسان في الغرب خلال منتصف القرن الماضي، إلا أنه كما هو واضح وبديهي جزء من التاريخ الذي نقل لنا بواسطة الرواية والكلمات ضاربة العمق في تاريخ الإنسان، كما انه يعتبر حبكة وصفة عربية بامتياز لا مثيل لها في أي أمة من أمم الأرض، ويكفي أن نلقي نظرة على مسيرة الشعوب العربية سواء في ما يعرف بالعصر الجاهلي حتى الإسلام وما جاء بعد هذه الحقبة من قيام دول متتابعة مثل الأموية والعباسية وغيرها، فالعربي اعتمد كلياً على المشافهة في كل شئون الحياة، فالذين يقرأون ويكتبون كانوا يعدون على أصابع اليد الواحدة، وكان العرب يعتمدون على الذاكرة في حفظ القصائد العربية، ويكفي أن نشير إلى أن المعلقات لم تحفظ على الورق إنما في العقول وبالتالي فإن القصص أو وصف الحروب و المعارك أو حتى وصف البلدان والديار تم نقلها لنا وفق ما يعرف اليوم بالتاريخ الشفاهي – الراوي – وإذا كان المؤرخ ثادسيتون يعرف التاريخ الشفوي : " أنه ذكريات وتذكرات أناس أحياء حول ماضيهم". فإنني أعتقد أن أصل هذا النظام الشفهي عربي بامتياز .


6 views0 comments

Recent Posts

See All