• fatima

أثر المعرفة في مسيرة الإنسان المعرفة التي نحتاج: هي تلك التي نقلت الإنسان من البدائية إلى الحضارة


المتتبع لتطور البشرية في مختلف الأزمان والحقب، مرورا بالحضارات على تنوعها وما تميزت به كل حضارة وما قدمته للإنسان من مهارات ومبتكرات، سيجد رابط رئيسي متصل منذ الأزل وحتى يومنا، وهو أنه لم يحدث أي تقدم ولا تطور إلا وكانت المعرفة جزء رئيسي منه بل مكون أوحد له.

لنعد لأزمان كان الإنسان خلالها يصارع من أجل حاجته الغذائية والأمنية، وكانت أكبر أمانيه ومبلغ أهدافه هو أن يأمن من الحيوانات المفترسة وأن يجد صيدا سهلا لا يعرضه للخطر أو للإصابة لأن هذا يعني الموت البطيء، بدأ الحال يتغير تماما بمجرد أن اكتشف – عرف – الإنسان كيف يشعل النار، كيف يتحكم بها، وتماما كما تبدأ المعرفة اليوم بالملاحظة، فإن الإنسان قبل قرون وقرون طويلة بدأت معرفته حول النار بالملاحظة، فقد شاهدها تشتعل في الغابات إما بسبب الصواعق، وإما بسبب شدة الحرارة والجفاف، ولاحظ أيضا أن الحيوانات التي يخشاها تهرب من لهيب النار، الفضول قاد هذا الإنسان للعودة نحو الغابات التي تفحمت من النار، فوجد أن الحيوانات التي لم تتمكن من الهروب قد شويت، وتذوق ذلك اللحم الشهي، فوجده ذا مذاق أطيب من اللحم النيئ، وأيضا أسهل في القضم والهضم، المعرفة والفضول قادت الإنسان لأخذ شعلة من النار والعودة بها، وأن يظل محافظا على وهجها مشتعلة لأنه لا يعرف كيف يوقدها مرة أخرى، وهكذا كسب الإنسان بالملاحظة والمعرفة قوة طبيعية جبارة مكنته من التغلب على الحيوانات المفترسة، والتي لم تعد تشكل مشكلة، فمجرد أن تكون في يدك شعلة من النار، فإنها بمثابة سلاح لا يمكن لأي حيوان مهاجمتك، وحتى لو هاجمك فإنه يظل يحوهم حولك ولا يستطيع الاقتراب، وهذا يمنحك فرصة إيجاد ملجأ والهرب.

لكن النار لم تمنح الإنسان ميزة التغلب على الحيوانات وطهوا الطعام وحسب، حيث يذكر البعض من العلماء أن بقايا النار على الخشب وقدرتها في نحت وتشكيل الخشب، جعلت الإنسان يفكر في استغلال النار في صناعة رماح حادة من الخشب يستخدمها عند الصيد، وهكذا وبشكل تدريجي وعلى مرور الأعوام والعقود، كانت عملية التطويرات تتم بشكل بطيء ولكن مستمرة ولم تتوقف.

عندما كثرت الطرائد وبات الصيد بمثابة رحلة قليلة المخاطر، ظهرت الحاجة للاستقرار، لأن حمل المؤن بات عبء وثقل كبير، ومع الاستقرار ظهرت الزراعة وتربية المواشي واستئناس الحيوانات مثل الكلاب والأحصنة والحمير والغزلان والأرانب والدجاج وغيرها كثير، ومع مثل هذا الاستقرار قلت المخاوف وتدنت المخاطر، وتكاثر الناس، وزادت البقع من الأراضي المستزرعة، وبدأت تظهر أشكال جديدة من طرق العيش مثل في البناء، فمن كان يسكن العشش أو الأكواخ المبنية من أغصان الأشجار، بدأ يبني منازله من الأشجار نفسها، وهناك من يبني منازلة من الأحجار، وكلا حسب قدراته المادية، وأقصد بالمادية مثل اتساع أراضيه الزراعية وعدد الحيوانات التي يقوم بتربيتها، وأيضا بعدد الأبناء والأقارب، وليست النقود. ظهرت التجمعات وأشكال وأنماط اجتماعية جديدة مثل الحمية والعصبية والولاء والقوانين وغيرها الكثير.

وغني عن القول أن كل قيمة جديدة لا تلغى بل تتطور بشكل مستمر، اكتشف الإنسان الحديد ووجد الذهب وغيره، وأدرك مبكرا قيمة كل معدن ووظيفته، وهكذا فإن الإنسان كان يحسن توظيف معارفه وكان دوما لا يكتفي بما يجده أو بما يكتشفه فهو سرعان ما يسعى لتطويره أو للبحث عما هو أفضل، وهذه لعلها غريزة عميقة في قلب وروح كل إنسان، لأن الفضول نحو التطور ونحو الاكتشاف، هي التي دفعت نحو تحقيق المنجزات وكل هذه المخترعات.

الحال لم يتغير حتى في هذا العصر الذي نعيشه يمكننا رصد ملامح من التطور والتقدم، والذي كانت تتم وفق المعارف وما يتماش معها.. ومرة أخرى، البشرية عاشت فترة طويلة جدا في ظل النظام الزراعي، فالزراعة هي أقدم وظيفة مارسها الإنسان، وهي أيضا أكثر مجال ساهم في خدمة الإنسان واستقراره، فالحروب كانت تندلع والأمم القديمة كانت تنهار بسبب الأراضي الزراعية والمزارعين، كان القطاع القوي والأوحد الذي يجلب الثروة والمال والقوة هي الزراعة، فإذا كانت أراضيك الزراعية وفيرة بالمحاصيل، فإن الناس ستتناول الطعام وستدافع بحياتها عن هذه المحاصيل. كل شيء كان يقاس وفق الزراعة قوة الجيوش وعددها وقوة الأمم وتميزها.

لذا فإنه عند الحديث عن تاريخ الإنسان، لا يمكن المرور بشكل سطحي على أثر الزراعة في هذا الإنسان، فبسببها ظهرت الكثير من المخترعات، مثل المحراث الذي تجره الحيوانات كالثيران وأيضا تقنيات السقي والري، فالإنسان الذي يزرع أراضي بعيدة عن المياه، أبتكر حلول لإيصال تلك المياه لمساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ليس بشق الجداول وحسب بل بابتكار تقنيات الري التي نعتبرها في عصرنا هذا بدائية، لكنها في تلك الحقبة كانت ثورة بكل ما تعني الكلمة. وهكذا قادت الزراعة نوع من أنواع الصناعة، لأن المحاصيل كانت تحتاج للنقل لمسافات طويلة، فظهرت الحيوانات التي تجر العربات، بدلا من حمل تلك المحاصيل على أكتاف المزارعين، لقد وجد الإنسان أن استخدام مئات من المزارعين لنقل الثمار ليست كافية مع التوسع في الإنتاج والتزايد اليومي في تلك المحاصيل، لذا ابتكر العربات في البداية كانت تجر وتدفع بواسطة الرجال الأقوياء، ثم حلت الحيوانات مثل الخيول والحمير مكانة، الزراعة أيضا هي من قادت الإنسان للتكفير في التخزين والعمل على إيجاد طرق لحفظ البذور أو النباتات أو حتى الثمار، لاستخدامها في الفصول القاسية من السنة، مثل فصول الشتاء. الزراعة هي من ساهمت في أن يضع الإنسان يده على الحديد ويكتشفه، ثم يسخره بالصهر والطرق والحدادة لصناعة معدات الزراعة وأيضا الرماح والسيوف ومختلف معدات القتال وغيرها الكثير من الفوائد، وكان من الطبيعي أن يتم التوجه نحو تطوير صناعة الأسلحة وذلك لحماية هذه الثروة التي تنتج عن الزراعة، فحماية الحقول وحماية الثمار عند النقل، جميعها متطلبات طبيعية مع ما كل هذا التطور.

مرة أخرى يتضح لنا أن المعرفة التي تفتح نافذة صغيرة سرعان ما تتحول لباب واسع من التقنيات والمبتكرات التي تدفع بالإنسان نحو الأمام.

في مثل هذه المراجعة التي تستهدف المعرفة وأثرها العظيم، يتضح لنا جانب توصل له العلماء ورصدوها منذ سنوات ماضية، ووضعت من أجله الكثير من الدراسات والبحوث، وهو الترابط بين مختلف جوانب التطور التي حققها الإنسان، حتى ولو ظهر لنا أنها أنواع متباعدة، بمعنى أن كل مجال بعيد عن المجال الثاني، إلا أننا لو أمعنا النظر سنجد رابط حيوي وقوي بينهم، وكأن التطور والتقدم موضوع رئيسي واسع، والمجالات هي فروع داخله في عمقها.. أسوق لكم مثال للمزيد من التوضيح، عندما أنتقل الإنسان من حقبة الصيد وعدم الاستقرار إلى الاستقرار والزراعة، نعتقد أن مثل هذين المجالين متباعدين، وهما في الحقيقة اشد قرب من بعظمها البعض، فلم يكن لتظهر الزراعة لو لا تطور تقنيات الصيد والتغلب على الحيوانات المفترسة، سأضيف مثال آخر أكثر وضوح وأكثر دلالة، عندما قامت الثورة الصناعية، وتوجهت المجتمعات البشرية نحوها، كان على حساب الزراعة، ونعتقد أن الزراعة مجال والصناعة مجال مختلف تماما عنها، لكن الحقيقة بينهما رابط حيوي وقوي، وهو التطور، فمع تزايد التقنيات التي استخدمت في مجال الزراعة، مثل العربات وتسخير الحديد، وتزايد صناعات الأسلحة، كان من الطبيعي أن تدخل البشرية مع كل هذا الزخم لحقبة الآلة البخارية، بل إن الآلة البخارية كانت نتيجة لمسيرة طويلة من العمل الزراعي والرفاه وتكوين الثروات ثم بناء المدارس والجامعات ومعها المعامل والمختبرات، وهذا يعني أن الاستقرار والثراء الاجتماعي الذي حدث بسبب الزراعة، ونمو الثروات، مكن الإنسان ليحول معارفه لعلوم تدرس ويسعى لتطويرها، فكان نتاج عن هذا التوجه ظهور الآلة، بل ظهور حقبة جديدة سميت بالثورة الصناعية. ثم دخلت البشرية لحقبة الكهرباء، وتجاوز الآلة البخارية وصولا للمكينة التي تعمل على الوقود الاحفوري والفحم، مثل القطارات ونحوها.

والملاحظة أن انتقال البشرية من عصر الصيد وصولا إلى الزراعة استغرق فترة زمنية طويلة ومثلها عندما انتقل من الزراعة إلى الصناعة، لكنه في حقبة ما بعد الصناعة والتي تعرف بعدة مسميات مثل ثورة الاتصالات أو ثورة التقنيات الحديثة وغيرها، لم تكن الفترة الزمنية طويلا بل تقاس بالعقود وليس بالقرون. ندخل اليوم لحقبة تقنيات الاتصالات وثورتها القوية الواضحة، والتي ساهمت في تطور عدة مجالات حيوية وهامة للإنسان مثل الطب والعلوم على مختلف أنواعها، ولعل واحدة من أهم مجالات التطور والتي بدأنا نلاحظها دخول الطاقة النظيفة أو البديلة، وهذا الكلام لم يعد في الكتب التي تتنبأ بالمستقبل، بل إنها باتت واقعا نراه في شوارعنا من خلال السيارات الكهربائية التي استغنت تماما عن الوقود، ونراه في المنازل التي تتزود بالطاقة الشمسية دون الحاجة للكهرباء التقليدية من محطات التغذية الكهربائية، وأيضا نراه في الذكاء الاصطناعي والذي نسمع كل يوم خبر جديد ودخوله في مختلف أوجه الحياة، للدرجة التي تعالت الأصوات في التحذير منه ومن خطورته. ولعل العامل الذي يقف خلف ثورة الاتصالات وتقنياتها المتطور وأيضا تطورات الذكاء الاصطناعي، هي شبكة المعلومات العالمية الانترنت، التي في غضون عقود قليلة، أحدثت طفرة تطورية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، وكما يظهر أنه كلما حققت البشرية سبق وتقدم في مجال تسارعت المجالات والمنجزات في مختلف الأنواع.

اليوم البشرية تذهب نحو الفضاء بشكل أكثر سهولة مما كان يحدث قبل عدة سنوات، وذلك بسبب دخول الربوت والذكاء الاصطناعي، بل تمكن الإنسان من إرسال عربات مزودة بتقنيات متطورة للمريخ ولسبر الفضاء العميق الواسع، وهذا لم يكن ليحدث قبل نحو ثلاثين عاما. حتى في مجالات العلوم المختلفة مثل الطب نلاحظ تطورات كبيرة فيه، وتبعا لهذه التطورات زاد معدل العمر ويتوقع أن تزيد هذه المعدلات لتصل لنحو مائة وعشرين عاما، وهذا أمر متوقع وبديهي أن يحدث مع النجاحات في القضاء على الكثير من الأمراض المستعصية، قبل نحو أكثر من مائة عام، وباء واحد قضى على نحو عشرين مليون إنسان على الكرة الأرضية، دون أن يوجد علاج أو مصل للتخلص منه، اليوم الصورة مختلفة تماما، لا توجد أوبئة يخشاها الإنسان، بل حتى الأمراض المستعصية مثل الأورام السرطانية، بتنا نسمع كل يوم عن كشف جديد، ويتوقع أن في غضون أعوام قليلة أن يوجد علاج شافي ونهائي، ويمكن القياس على مختلف الجواب العلمية، فقلما تجد مجال لم يحدث فيه تطوير وتقدم.

إنها المعرفة، فمجرد الحصول عليها ومعرفة عمقها وأسرارها فإنها تمنحك كنوزها، وهذه المعرفة هي التي تقود التوجه العالمي نحو التقنيات الحديثة اليوم، وهي نفسها التي أخرجت الإنسان من ظلمات التخلف والعوز والخوف نحو حياة محملة بالسعادة والاستقرار والثراء، إنها المعرفة التي تحمل في عمقها العلم والفضول والسعي والجد والاجتهاد، والتي دون أركانها وتهيأت المكان لنموها وانتشارها، فإنها لن تحقق رسالتها ولا تنجح في إحداث أي أثر.

المعرفة التي نحتاج لطريقة الوصول لها وتوظيفها لخدمتنا، هي نفسها التي ستدفع بنا نحو التقدم ومسابقة الأمم في مضمار التقدم والنهوض.


6 views0 comments

Recent Posts

See All