• fatima

القمة تتطلب جهداً آخر للحفاظ عليها ثقافة النجاح.. المعرفة التي تنمو معنا


النجاح، هو الغاية التي نسعى لها منذ خطوتنا الأولى في الحياة، عندما نشاهد كل ذلك التصفيق والاحتفاء من الأبوين بتلك الخطوة، فنعيد المحاولة مرة أخرى، ونقع ولكننا ننهض أمام ضحكاتهم وفرحتهم للمحاولة ثانية، يخيل لي بأن تلك الخطوات والمحاولات هي أول سعي جاد وحقيقي نحو النجاح، ولكننا وبمجرد الخطو والسير، ننسى تماما كل تلك السقطات المؤلمة، والتي في بعضها بكينا بحرارة إما من الألم الجسدي أو النفسي، نتيجة لفشلنا المتكرر.

كبرنا قليلا ومعها زادت رغبتنا في النجاح وتحقيق المنجزات، وعندما بدأنا خطواتنا الأولى نحو التعليم وتم الزج بنا في الروضة والتمهيدي، تعلمنا حقيقة أنه لا يمكن أن تنتبه لنا المعلمة، إلا إذا لفتنا نظرها بصراخنا ولعبنا الذي لا يتوقف، إذا شاركنا معها في ألعابها بحيوية وسرعة، هنا يمكنها أن تلتفت نحونا وتتذكر أسمنا، وعندما تصرخ في الفصل الدراسي، بل في الحلقة، وتردد أسمائنا يتحرك شيئا ما في قلوبنا الصغيرة، ونزداد حماسا، ونشعر عندها بشعور غريب، أننا مميزين، أننا أفضل، ودون أن نعلم، كان هذا ما يسمى بنشوة النجاح.

لكننا ندرك مبكرا أن الطاقة الحركية المبالغ فيها لها وقت محدد، فما يصلح في مرحلة الروضة والتمهيدي، ليس بالضرورة صالحا على مقاعد الدراسة في الصف الأول ابتدائي، هناك يحتاجون للتركيز وحفظ للحروف أكثر من الصراخ والحركة والمشاغبة واللعب، عندها تعلمنا أن الحياة ليست طاقة حركية فارغة لا قيمة لها، وإنما أيضا طاقة ذهنية، يجب أن تتعلم الكتابة وحفظ الحروف وجدول الضرب، حتى تلفت الانتباه، حتى تنجح، حتى تتميز، وهنا كان درسا حياتي جديد، وهو أن طاقتنا يجب توجيهها ويجب استغلالها، وإنها أيضا متنوعة ومختلفة، وكما قال الكاتب والمؤلف الانجليزي مايكل كوردا:" إن قاعدة النجاح الأولى التي تعلو على أية قاعدة أخرى، هي امتلاك الطاقة فمن المهم معرفة كيفية تركيز هذه الطاقة وترويضها وتوجيهها على الأمور الهامة، بدلا من تبديدها وتشتيتها على الأشياء التافهة وغير المجدية". البعض منا - أطفال تلك الحقبة - أدرك أن الطاقة الحركية واللعب، خفتت على مقاعد الفصل الدراسي البارد، وأنه مطلوبا منا اليوم استنتاج وإنتاج طاقة جديدة، يغلب عليها الجانب الذهني، أكثر من الجانب الحركي، أصدقكم القول بأنهم كانوا قلة من أقراني ممن أدرك هذا الجانب، ونحن جميعا معذورين بسبب صغر السن وقلة الخبرة وعدم المعرفة، ولأكون أكثر دقة، فإن من فهم، لا يعود الفضل لفطنته، بل لأمهاتهن اللاتي كن يستذكرن ويراجعن الدروس معهن، ولا يتركن لهن مجالا للحركة واللعب، دون أن يحفظوا ويكتبوا واجباتهم المدرسية، أما أنا وآخرين فقد غلب علينا اللعب والمرح، ولم نخرج من مرحلة الصراخ الطفولي في الحلقة أيام الروضة والتمهيدي، وكان علينا أن نتعلم من الطريق الأصعب والأكثر مشقة، وهي طريقة التجربة والخطأ، وهو ما حدث وأدركنا في نهاية العام، أن هذه المرحلة كانت تتطلب نوع آخر من لفت الانتباه للمعلمة، ونوع آخر من الطاقة التي تبذل.

ببساطة متناهية، كان علينا ومنذ نعومة أظفارنا أن نتعلم كيف نغير أفكارنا، وكيف نغير توجهاتنا، وكيف نغير رغباتنا، وهذا التغيير لم يكن اختياريا بل كان فرضا ولازما علينا، فإذا لم نستجب له، فإن النتيجة أننا لن ننجح، ولن نتفوق، لن نلفت انتباه المعلمة!

لقد تعلمنا أنه حتى تشجعنا وتمدحنا، كان يجب علينا أن نغير الاستراتيجية والاستجابة لطلباتها وشروطها ومواصفاتها، ومرة أخرى كأن ما قاله الفيلسوف الأمريكي وليام جيمس، والذي يعد من رواد علم النفس الحديث، والذي نشر عدة كتب مؤثرة في علم النفس بصفة عامة وعلم النفس التربوي تحديدا، ينطبق على حالتنا في تلك السن المبكرة، حيث قال: " الإنسان يمكن أن يغير حياته، إذا ما أستطاع أن يغير اتجاهاته العقلية". ببساطة متناهية تعلمنا من أجل تحقيق هدفنا في التميز، أن نغير أولوياتنا التي تعودنا عليها، أن نغير ما نحبه، أن نغير ما فتحنا أعيننا على القيام به، وهو اللعب، وبذل الطاقة الحركية، ببساطة استجبنا بطريقة مدهشة للمحطة الحياتية الجديدة، التي تختلف عن محطة الذهاب إلى الروضة والمرحلة التمهيدية، محطة كانت فيها المعلمة أقل مرحا، وأكثر جدية، أقل في اللعب وأكثر في الحفظ والتلقين والتعليم.

هذا جميعه، كان مقدرا له أن يتوقف عند آخر محطة دراسية، لكن النجاح، كان بمثابة حاجة حياتية، ظل ماثلا في تفاصيل متنوعة من حياتنا ومرافقا لنا في كافة المراحل والمحطات، كل شيء كان مقرونا بهذه الكلمة، ومدى تحققها في كل مهمة وكل عمل وكل محطة، وفي اللحظة نفسها فإن متطلبات التميز والنجاح لا تتوقف، فبعد أن أنهينا جميع المراحل الدراسية، بدأنا الصراع من أجل الحصول على الفرصة الوظيفية، وأدركنا عندها أننا نحتاج للمزيد من التعلم، نحتاج لدورات وحضور ورش تدريبية وزيادة في معرفتنا، وتقوية لغتنا، وغيرها من المهارات في العلوم الإدارية لتزيد معها حظوظنا وكسب تحدي الوظيفة والنجاح في الحصول على ذلك المقعد الشاغر في تلك الجهة، وبعد كل هذه التحديات وتجاوزها والنجاح فيها، ندخل نحو اختبار الوظيفة، ونمر برتابة كبيرة على درجات متنوعة من القلق والترقب والوساوس والأفكار المتموجة، وعندما يعلن عن نجاحنا وقبولنا نقيم الاحتفالات، وتغمرنا السعادة، ننسى خلالها أننا مقبلين على مرحلة أخرى من المتطلبات والتحديات والعقبات التي تحتاج للتعامل معها وتجاوزها، ببساطة تحتاج للنجاح أيضا.

عندها ندرك أن هذه الحياة برمتها عبارة عن تحديات ومراحل، وتتطلب منا التفوق والتميز، دون أي تهاون أو تراخي أو تردد، معها ندرك أننا مطالبين دوما بالمزيد من العمل والذكاء والمعرفة لنتجنب ويلات الخسائر وآلام الهزيمة، كأننا عندها ندرك ما قاله الصحفي والكاتب والشاعر والمسرحي الانجليزي جوزيف أديسون: " إذا أردت أن تنجح في حياتك، فأجعل المثابرة صديقك الحميم، والتجربة مستشارك الحكيم، والحذر أخاك الأكبر، والرجاء عبقريتك الحارسة".

إذن نحن مطالبين بالمثابرة بشكل دائم، بل وجعلها مقربة جدا كما هو قرب الصديق لقلوبنا، بمعنى لا فكاك من استمرار المثابرة، والتي تعني المواظبة والمداومة، وأيضا تعني الحرص التام والشديد، وفي اللحظة نفسها يجب علينا أن لا ننسى أي تجربة تمر بنا، وأن لا ننسى ما نخرج به من عبر واستفادة منها، ولنقربها من عقولنا لدرجة كأنها المستشار الذي يتحدث معنا وينصحنا بما هو خير لنا، أما الحذر فليكن بمثابة الأخ الكبير، في قوته ليمنعنا عن الخطأ وفي رحمته وحبه الأخوي، ولا تنسى الأمل والرغبة والتي أشار لها بكلمة الرجاء، ووصفها بمثابة العبقرية التي تسهر على حمايتك، ودون الأمل والرغبة، لن نحقق شيء، وستكون الصورة لدينا ضبابية ومبهمة.

فإذا قدر لأي واحدا منا فهم هذه الجوانب والمتطلبات الحياتية، فإن النجاح سيكون حليفة ومرافق له، لأنه أدى وظيفته وحاجاته، ولا تتوقع في أي يوم أن تحقق تميز، دون بذل ودون تعب، والذي على معظمنا فهمه، أن النجاح جزء من مسيرتنا الحياتية، لا توجد درجة وسطى، إما أن ننجح ونتميز ونتقدم ونتفوق، وإما أن نفشل ونتراجع ونصبح على الهامش نقتات مما ينتجه الآخرون، ومما يلقون به علينا كواجب إنساني وأخلاقي ولا أكثر.

ولتحقيق هذا النجاح، وباستمرار، يعني تعب متواصل، يعني إرهاق وضجر، ولكن هذه هي الضريبة والثمن الذي بواسطته يتم فرز المجتهدون المتميزون، عن أولئك المترددين المنزوين، وعلى الرغم من هذا فإنه يجب عدم التوقع الدائم لتحقيق النجاح، بل توقع الفشل في بعض المحطات، توقع الهزيمة، توقع أن لا تحقق الفوز، وفي اللحظة عينها يجب أن ندرك أن الفشل ليس شر محض وشامل، كما قد يعتقد البعض، بل هو في بعض المراحل خير لنا، ولكن المهم أن لا يكسرنا ويحبطنا، بل أن نتعلم منه الدروس ونأخذ العبر، وكما قال المدرب ولاعب كرة القدم السابق جون تشارلز سالا: " لا يصل الناس إلى حديقة النجاح، دون أن يمروا بمحطات التعب والفشل واليأس، وصاحب الإرادة القوية لا يطيل الوقوف في هذه المحطات".

فإذا قدر ومررت بمحطة الفشل أو تلبسك الإحباط واليأس، أو شعرت بالإرهاق والتعب والإعياء، فلا بأس توقف لبعض الوقت، ولكن حذار وحذار، أن تنسى المهمة، ويعجبك الركون والكسل، وتسمح لهما بإبعادك عن مضمار التحدي وعن رؤية خط الفوز والانتصار.. بل إياك أن تنسى أن الركض في مجالات الحياة المتنوعة قدرنا الحتمي، وأن السعي نحو النجاح والفوز، غريزة نمت في قلوبنا، وباتت جزء من مكوناتنا الوراثية، أو إذا أرت جزء من نمونا العقلي الطبيعي.

وتذكر دوما أنك عندما تنجح، تعني أنك الأفضل، تعني الراحة النفسية داخل قلبك وعقلك، تعني سعادة الروح، ولكن ليس بالضرورة أن النجاح ليفرح الناس، بل لتفرح أنت أولا، فالناس قد يسيئون لنجاحك، قد يفسرونه بطريقة خاطئة تجلب الإحباط، وخذ العبرة ممن سبقك نحو النجاح وحققه بتفوق وجهد وتعب، مثل مؤسسة شركة فورد لصناعة السيارات، هنري فورد، الذي قال: " كلما لاح النجاح نتيجة التخطيط الجيد والمثابرة المستمرة مقرونين بالفرصة المواتية، أعتبر الناس ذلك حظا". وعندما يقول هذه الكلمات رجلا ناجحا، قدم للبشرية كافة تطويرات هائلة في محركات السيارات، وكان له الفضل في تقدم هذه الصناعة مع ثلة من أقرانه، ويفسر نظرة الناس للنجاح، بأنهم قد يقولون بأنه ضربا من الحظ، وذلك بعد تعبك وجهدك وإرهاقك، فإن هذا فعلا محبط، لذا لا تنجح من أجل الناس، لا تفز من أجل الآخرين، لا تنتصر ليصفق أحد ما.. ليكن واضحا لك طريق الجد والمثابرة، أنه لنفسك ولروحك ولتخدم البشرية، بغض النظر عن الآراء التي تدخل في عقلك وتتحدث بالنيابة عنك، لأنك حتما ستواجه من يفسر ويعلل ويشرح، وهو أبعد ما يكون عنك، بل قد لا يعرفك لا من قريب ولا من بعيد، ومثل هذا السلوك ملاحظ في عصرنا، حيث يكفي أن تقرأ لبضع دقائق على مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة مثل تويتر والفيسبوك والانستغرام ونحوها، لتذهل من حجم ما يتم الحديث حوله، وفي مجمل من يتحدثون لا يعرفون عمق الموضوع ولم يبحثوا عن معلومات حوله، وليسوا متأكدين من مصداقيته التامة أو زيفه الجزئي أو الكلي.

النجاح، جزء من حياتنا، بواسطته تتطور البشرية، بل تطورت وتتطور به، دون هذه الكلمة الذهبية، لا يمكن أن نفهم سر كل هذا الاندفاع نحو الدراسة ونحو العمل ونحو الإنتاج ونحو الاختراع ونحو الابتكار والتطوير، إنه النجاح الذي جميعنا نتفق في السعي نحوه ولكننا نختلف في الهدف، فكل واحدا منا له أسباب وأهداف وغايات من أجل النجاح، ولكن في المحصلة النهائية يبقى الهدف الرئيسي لنا جميعا أن ننجح، نتميز نتفوق.. بقي التذكير والتحذير لخطورة النجاح بكل ما تعني الكلمة، فعندما تحققه وتصل للقمة، تبدأ في النكوص والتراجع والهبوط، لأن القمة تتطلب جهد آخر للمحافظة عليها، والكثيرون من الناجحين لا يصمدون في هذا التحدي، ببساطة متناهية النجاح يعني عمل حياتي متواصل، عندما تحقق في أي مرحلة تفوق وتميز أحذر من الغرور، أحذر من الشعور بأنك حققت الذي لم يسبقك إليه أحد، أحذر أن تتسرب إليك مشاعر من البهجة والسرور الدائم المستمر، أحتفل بنجاحك، ولكن لحد وإلى درجة محددة فقط، ثم توقف، وأبدا النظر والتخطيط للتالي، النجاح لا يعطيك شيء غير النجاح، وكما قال مؤسس شركة البرمجيات الشهيرة عالميا مايكروسوفت بيل جيتس: " النجاح أحياناً معلم سيء، إذ أنه يجعل الأذكياء يظنون أنهم لا يخسرون" ومع الأسف هذا الذي يقع في معظم الأوقات، فكم سمعنا عن أشخاص أو حتى شركات كانت على درجة عالية من التميز والنجاح، سرعان ما هزمت وتراجعت وخسرت ثم تلاشت تماما، فحتى لو كنت على درجة عالية من الذكاء، فقد تخفق بعد النجاح، وقد تهزم وتهرم بعد تذوقك لذة ما سعيت عقود لتحقيقه.. النجاح لا رفيق دائم له، ولا صديق مستمر معه.. ببساطة متناهية خذ دورك وأنجح، وقدم ما بوسعك، ولا أكثر ...


4 views0 comments

Recent Posts

See All