• fatima

الكتابة تاريخ عميق من المنافع لإنسان غير مبالي


لا أعتقد أن وظيفة الكاتب – المؤلف – تلقى الاهتمام والجدية التي تتوافق مع أهميتها القصوى في مختلف بقاع العالم وخاصة في عالمنا العربي المثقل بالتعثر الاقتصادي وانتشار الفقر والفاقة في حين وفي الحروب وانعدام الأمن في أحيان كثيرة.

لذا فإن الدول التي تولي المؤلفين الرعاية وتقدم لهم برامج دعم مثل توفير المردود المادي والتفرغ للكتابة والتأليف، وأيضاً التدريب الإبداعي وغيرها من أوجه الدعم مثل الطباعة والتوزيع، تعتبر قليلة وتعد على أصابع اليد الواحدة..

البعض من الدارسين والباحثين وأيضا النقاد في مجال الكتابة والتأليف، لا يرون بأن الرعاية والاهتمام بالمؤلف تولد الإبداع والتميز، ويستندون في رأيهم على إرث طويل وكبير جدا لمؤلفين شقوا طريقهم نحو العالمية والتميز بجهود فردية وبموهبة قاموا هم بتطويرها والسهر على صقلها دون أن يجدوا أي رعاية أو برامج تهتم بهم، وإن كان مثل هذا الرأي يحمل البعض من الصحة كونه يستند على واقع مشاهد وتوجد له عدة نماذج، إلا أنه وفي اللحظة نفسها نجد من يدعوا لإقامة مشاريع معرفية يتم خلالها رعاية المؤلفين والمبدعين في المجال الكتابي، ودعوتهم مبررة بل تكتسب الأهمية لأن وظيفة الكتابة نفسها هامة جدا، وتعد من أهم الأدوات والمخترعات أو الكشوف التي وضع الإنسان يده عليها وساهمت بقوة في نقله وتطوره.

إنني أرى أن تدشين مثل هذه البرامج لاستقطاب المؤلفين اليافعين ومن هم في مقتبل العمر حتى تنطلق مسيرة الكتابة والتأليف وتتطور بشكل تلقائي عمل في غاية من الأهمية في عالمنا العربي.

الكتابة والتأليف لها أثر بالغ وهام على البشرية برمتها وعلى مر التاريخ، وهو أثر أعتقد أنه لا يخفى على الجميع، لأنه وببساطة كان شاملا في كافة مفاصل الإنسان نفسه، ثم على تاريخه وحياته وتقدمه وتطوره، لدرجة أن الكثير من العلماء والباحثين في مجال تاريخ البشرية والآثار، يعتبرون أن الحقبة البشرية تنقسم إلى قسمين، حقبة ما قبل الكتابة والأخرى ما بعد الكتابة، أما تلك التي كانت قبل اكتشاف الكتابة أو اختراعها، فقد كانت موغلة في التخلف، حيث كانت حياة تشبه لحد كبير الحيوانات، فلا معلومات تحفظ ولا مبتكرات تنقل للأجيال التالية، ولا يمكن المحافظة على أي معرفة جديدة تم اكتسابها، ولا توجد أي طريقة تم اكتشافها لتسهل الحياة، والذي يحدث في تلك الحقبة أن الإنسان كلما وجد وسيلة جديدة للصيد على سبيل المثال فإنه يمارسها حتى يموت، وعندها تنقطع ولا تنقل إلى الآخرين، لأنه لا يملك الأداة التي ينقل بواسطتها خبراته، رغم أن لديه الدافع والرغبة في مشاركة المعرفة، وهذا الجانب أوضحته الرسوم والنقوش التي تم اكتشافها في البعض من الكهوف وعلى البعض من الصخور، والتي بينت محاولات الإنسان القديم لنقل معارفه وتجاربه ورحلات صيده للأجيال التالية.

لكن الثورة الحقيقية التي تمت ونقلت البشرية نقلة مدوية كانت باكتشاف الكتابة وتطويرها باستمرار، رغم أن نجاح وتمكن الإنسان من الكتابة مرت بمراحل كثيرة وتطويرات عديدة، إلا أنها كانت الخطوة الرئيسية الرائدة للبشرية نحو التطور والتقدم.

وعند النظر في تاريخ الكتابة، نسمع آراء لعدد من العلماء يؤكدون أنها نبعت وباتت حاجة مع تمكن الإنسان من الاستقرار والزراعة واستئناس البعض من الحيوانات وتربيتها، بدلا عن حياة الترحال والتنقل المستمر في مطاردة الفرائس، ويقال بأن هذا الاستقرار هو الذي جعل الكتابة واقع لا مفر منه، لأنه مع استقراره وعمله في الزراعة وتربية المواشي، بدأت تظهر التعاملات البينية بين الناس، ومعها بدأت تظهر الحاجة للتوثيق ومعرفة الحقوق ونحوها من الاحتياجات، فقد كان المزارعون بحاجة لتسجيل مواعيد الزراعة، مثل متى ينثرون الحبوب، ومتى يحرثون، بمعنى كانوا بحاجة لمفكرات حتى في مجالات الحساب للمحاصيل الزراعية وكميتها لتسديد الالتزامات تجاه الآخرين بعد بيع أو مبادلة الحصاد، وقد وجدت آثار قديمة جدا لأشكال طينية يعود تاريخا لنحو تسعة آلاف عام قبل الميلاد، وفي مرحلة لا حقه وجدت آثار لمحاولات للكتابة كانت عبارة عن أشكال وتطور في النقوش، وهنا أود التوقف لتبيين نقطة جوهرية تتعلق بتاريخ الكتابة نفسها، فهي في مسيرة البشرية وعمرها الطويل، ليست بذاك القدم، بمعنى لم تظهر الكتابة والحاجة لها مع فجر البشرية مباشرة، بل مضت عقود وقرون طويلة، لذا عندما يتم الفصل بين حقبتين من تاريخ البشرية، وتحدد بقبل الكتابة وبعدها، فهو فصل صحيح من وجهة نظر عدد من علماء الآثار ودارسي التاريخ البشري.

علم الكتابة

إن الأثر العظيم الذي أحدثته الكتابة في مسيرة الإنسان، جعلها علم قائم بحد ذاته وهو علم مفتوح يمكن الإضافة له، وفي هذا العصر يتم الحديث عن أنواع للكتابة، وإذا كنت أتحدث عن الكتابة الإبداعية الأدبية، فهي أيضا تنقسم إلى أشكال وأنواع، وإذا حددنا أحد هذه الأنواع أو الأقسام بالحديث فسنجد أنه هو أيضا له أنواع، لن أذهب بعيدا واستحضر مثال لأن المثال دوما يساعد على الفهم والتوضيح، وينحصر في أن الكتابة نفسها وبشكل عام لها أنواع، ومنها الكتابة الأدبية، وإذا خصص الحديث فقط عن الكتابة الأدبية، فإننا سنجد أن لها أجناس، مثل الشعر والقصة القصيرة والمسرح والرواية... إلخ. فإذا اخترنا نوع منها، وعلى سبيل المثال الرواية، فسنجد أنها أيضا تنقسم إلى عدة مجالات، حيث سنجد الرواية البوليسية والتاريخية والمكانية والوصفية...إلخ. لذا وعند هذه النقطة تحديدا من الطبيعي أن نجد كل هذه الغزارة وكل هذا التنوع، بل كل هذه الآراء المتضادة المختلفة أو المتفقة والمؤيدة.

في الحقيقة أنه ومنذ فجر الكتابة والإنسان بين يديه الكثير من المعلومات وما يمكن أن يكتبه وينقله للأجيال التالية، وهو في مسيرة متواصلة للشرح والابتكار والتنويع والزج بمصطلحات وسحب أخرى وابتكار وسائل جديدة، والتجديف ضد طرق قديمة، وكل تيار يحاول أن يقدم المتميز والأكثر حضور وتقبل، ولكن هذه الصفة ستجدها أكثر وضوحا لدى مؤلفي الإبداع الأدبي، المشغولين دوما بالتفكير والتساؤل كيف نذهل القارئ ونقدم نص مغاير متميز مبدع متفوق؟.

الكتابة منحت الإنسان التفوق، منحته التميز، ولكن الأهم أنها منحته القدرة على التطوير وحفظ المعلومات، وبما أننا في زمن ننعم فيه بخصال الكتابة وحسناتها الكثيرة جدا والمتنوعة، بل ننعم بنتائجها المذهلة ونجاحها في قيادة البشرية نحو التطور والرقي والحضارة، فإنه من البديهي أن ينشأ لها الدور والمعاهد والمناهج التي تحث على الإبداع والتميز فيها، وأن تكون هناك برامج متواصلة وقوية تدفع نحو التطوير في هذا المجال، وأي تراجع أو عدم حماس في هذا المضمار فإنه ودون شك سينعكس على مجالات الحياة الأخرى.

بين الكاتب والناقد

لو قدر لك وتوقفت أمام أي مؤلف وكاتب، وسألته ما الذي تعنيه الكتابة والتأليف له؟ وما هو شعوره وهو يمارس هذا الفعل؟ فإنني أجزم بأنه سيعبر عن السعادة كونه واحداً ممن يبذل كل ما بوسعه لاحتراف هذا العمل، أو إذا صح التعبير احتراف هذا الجهد وبذله، لأن في الكتابة فضلا عن خصالها العظيمة الأخرى لذة عظيمة وفائدة كبيرة لكل من يتوجه نحوها، وهذا الجانب هو الذي يجعل كل مؤلف يراهن على الفعل الكتابي أكثر من سواه من المفاهيم التي تتعلق بالنوع أو التخصص أو غيرها من المصطلحات التي أرهقتنا، والكثير من المفاهيم المعقدة أو المبهمة.. ستجد مؤلفين تغمرهم الحماسة ونشوة الفخر كونهم ممن يمارسون التعبير عن الأفكار والركض خلفها وتدوينها، ومرد اعتزازهم وسعادتهم تعود لكونهم يصبون جهودهم في الحقل الذي نقل أو ساهم في نقل البشرية وتطورها، أو المجال الذي كان له الدور العظيم في تقدم الإنسان ورقية وتميزه وإبداعه، هذا في جانب الحديث عن المؤلفين ومن يمارس الكتابة، أما القراء فعليهم أن يتذكروا ما قاله الروائي التركي الفائز بجائزة نوبل أورهان باموق: " المهارة ليست بقراءة المكتوب فقط".

ولعلي أنتهز المعنى العميق الذي تحمله هذه الكلمات لأقول بأنه ومن هنا يصعد دور القارئ للواجهة، كونه هو المتلقي، ومن وجهة نظري هو الفيصل والحكم والمحك، هو الصدى لأي نص، أو إذا صح التعبير لأي كتابة يقوم بقراءتها، فما هي الكتابة دون وعي القارئ دون فهم المتلقي؟ ولو لم تكن البشرية متلقي للفعل الكتابي لما تطورت ولما تقدم الإنسان.. إذن رغم كل مصطلحات النصوص وجميع نظريات النقد، فإنني أعتبرها تتوقف عند نجاح النص، عند تلقيه الحسن والإشادة من القراء، مهما كان رأي النقاد أو المدارس النقدية وبحثوها ودراساتها.

وكما قال المؤلف المسرحي والشاعر الفرنسي موليير: "على الإنسان أن ينظر لنفسه بتأمل وعمق قبل أن ينتقد الآخرين" بل كما قال الناقد كينيث تينان: " الناقد رجل يعرف الطريق ولكنه لا يعرف القيادة". ولعل هذه المقولات تقودنا نحو التوقف عند الفرق الجوهري بين من يمارس الكتابة، وبين من يقوم بدور الناقد، وهو يفتقد لجوهر هذا الفعل وقيمته، أو عدم الإلمام بعمقه أو عدم المعرفة بالتعب والألم التي يعانيها المؤلف عند الكتابة، أو عدم تقدير هذا الجهد، والاكتفاء بإصدار حكم تحت أي عنوان من عناوين النقد المعروفة.

وفي العموم تظل الكتابة رغبة للتنوير وأداة مثلى وهامة لنشر المعرفة، وأعتقد أن هذه وظيفتها منذ فجر تاريخها، وأيضا ستبقى هذه وظيفتها رغم كل النظريات التي تدرسها وتوزع أدوارها ووظيفتها ورسالتها، وهي ستبقى الفعل الأجمل في عقل وقلب كل مؤلف، رغم أنه قد يتعرض في كثير من الأحيان لسوء الظن أو التجاهل، رغم أنه قد نزف شيئا من روحه بين الكلمات، أو أن يحصد الجليد والبرودة كردة فعل على منجز أخذ منه الكثير من الجهد والأرق وكأنه قد تركه هرما متعبا، ورغم هذا يعود مرارا وتكرارا لحظن الكتابة بعشق وشوق.. وكما قالت الكتابة والمؤلفة ناتالي غولدبيرغ:" تحدثنا عن آرائنا ككتاب – كيف هي قوية وشجاعة، ولكننا جبناء في أعين الناس، وهذا ما يسبب لنا الجنون وهذه الهوة بين الحب الكبير الذي نشعر به تجاه العالم عندما نجلس للكتابة عنه، وبين التجاهل الذي نتعامل به معه في حياتنا البشرية الخاصة".

هموم الكاتب

وكما يتضح لنا فإن الفعل الكتابي تحيط به شجون وهموم وعقبات تقود مهمة التأليف نحو السمو ولتصبح وظيفة نخبوية جديرة بالاحترام، والسبب ببساطة متناهية، لأنهم – المؤلفين - يصارعون على عدة جبهات، يقامون الناشر القاسي الجامد، ويكتبون لناقد غير واعي، ولقارئ غير متفهم، ودون أي غطاء وسياج للحماية.. بعد هذا جميعه ألا يتضح لنا دور الكتابة ودور من يمارسها، ومن يعمل على تطويرها؟ ألا يتضح لنا عمق هذه المهمة، وتاريخها الضارب العمق في تاريخ الإنسان؟ وقبل هذا وبعده ما هي العلوم والمخترعات والمبتكرات دون الكتابة والتأليف، دون أن يكون هناك ثلة ممن أخذوا على عاتقهم وظيفة القلم وإرشاد البشرية وحفظ وصون تراثها وذاكرتها من الضياع، كم نحن بحاجة لمناهج التعليم والتطوير في مجال الإبداع الكتابي، والأخذ بيد كل من توجه نحو هذا المضمار، ومنحهم فرصة التحليق في سماء الإبداع ورسم خيالات من الآمال والطموحات، والكتابة عن شغف الإنسان وتطلعاته، عن بؤسه وشقائه، تفاؤله ونجاحه، وإذا لم يقم الكتاب والمؤلفين بهذه المهمة فمن لها إذن؟!.. بل من الذي سيبلغ كل قارئ بأن الكتابة والتأليف شفاء وعون وفعل جميل يعود ويرتد عليه بالفائدة والخير، كما قالت الكاتبة والمؤلفة هنرييت كلوزر:" الترياق الأفضل للقارئ العليل، هو في الكتابة".

وفي حضرة الحروف والكلمات، وعمقها الضارب في الزمن، وأثرها العظيم جداً، هل يجدر القول بأن الكتابة تاريخ عميق من المنافع لإنسان غير مبالي؟!...


9 views0 comments

Recent Posts

See All