• fatima

صناعة التاريخ وسلطة المؤرخ


التاريخ كعلم له شروط وضوابط وتصنيف وآليات ، فهو مثله مثل أي علم إنساني، وبالمثل توضع له تعاريف وطرق في تعليمه ودراسته وكيفية البحث في أتونه وجوانبه المختلفة.

إلا أن التاريخ كأحداث لا يمكن صناعته أو التحكم بمسيرته وتوجهه ولا كيف يبدأ ولا ومتى ينتهي، وبالتالي فإن معنى صناعة التاريخ بالمفهوم المتعارف عليه والدارج بيننا والتي تعني في أبسط فهم وتعريف هي إيجاد الشيء وتكوينه وتشكيله وجعله واقع، ووفق هذا المعنى أو المعنى الدقيق للصناعة لا يمكن اسقاطه على التاريخ وأحداثه وتشعباته وفروعه وأيضا على منهجية نقله وكتابته وتدوينه بكل حيادية واستقلال.

المؤرخ ككاتب مناط به تدوين أحداث محددة ونقلها بكل موضوعية، هو من يصنع المادة لا الحدث، يصنع العلم لا الواقعة التي تمت، بالكتابة وتدوين الأحداث يصبح المؤرخ وكأنه صدى، أو إذا صح التعبير كأنه كاميرا فيديو صورت وسجلت ما وقع، وكل الذي حدث أنه تم إعادة العرض، فيمكن للآخرين من الدارسين والمهتمين أو المشاهدين بصفة عامة، من العودة ورؤية الأحداث بكل موضوعية وحيادية ودون أي تعديل أو محاولة للتأثير من المؤرخ.. إلا أنه عندما يزج المؤرخ بآرائه ووجهات نظر فإنه أولا يتحول إلى مؤلف، فقد تجرد من وظيفة أو أبتعد عن مهمة المؤرخ، وإذا تزايد عدد المؤلفين تحت بند أو تحت شعار مؤرخين، فإن علم التاريخ يفقد مصداقيته ويفقد جوهرة وحقيقته، وهذا الذي نعانيه أو تعانيه البشرية طوال تاريخها، وهو الخلط التام والواضح بين الرأي الشخصي الذي يتأثر بعوامل عديدة مثل الزمان والمكان والأحداث السياسية والثقافة السائدة، ويمزج هذه الرأي مع الواقعة التاريخية، حيث يبدأ في التحليل والتصنيف والانتقال للأسباب والوقائع، وأن هذا كان يقصد كذا وهذا تعمد كذا.. وكأن المؤرخ هنا يمارس دور سلطوي ليس دورة وليست مهمة من مهامه، ولا هي جزء من واجباته ولكن هذا الذي يحدث دوما أو في معظم الأوقات، حيث نلاحظ في كثير من الكتب التاريخية أنها محملة بالآراء والميولات الذاتية والتي تتنافى مع الحدث التاريخي، نفهم أن بعض الوقائع التاريخية تحتاج لفهم سببها وآثارها، ولكن محاولة الفهم بحد ذاتها ليست من ضمن سياق التدوين وكتابة التاريخ أو أنها على الأقل يجب أن تكون واضحة ومفهومة للقارئ، بمعنى عند كتابة التاريخ يجب أن تكون نزيهة لدرجة الإيضاح للقارئ وإبلاغه أنه عندما الزج برأي شخصي أو وجهة نظر خاصة، ولكن الذي يحدث في كثير من الكتب والمراجع التاريخية هو خلط واضح ومتعمد بين الحدث أو الواقعة التاريخية وبين الرأي حولها وسببها ونتائجها للدرجة أن الواقعة تصبح وكأنه تم استدعائها فقط للتأكيد على ما يريده المؤرخ – أصبح مؤلف –لإقناع القراء بصدق رأيه وما يقوله، بمعنى تحولت الواقعة التاريخية إلى شاهد ودليل وليس إلى علم بما حدث وما وقع في الماضي، وهو ما يعني تحول وظيفة التاريخ هنا كدليل وكسياق زمني يتم الزج به للبرهنة على المصداقية أو لاكتساب هذه المصداقية ولا أكثر، والذي حدث ببساطة متناهية أنه تم استغلال قدسية هذا العلم، وهو علم التاريخ وتم توظيفه لمجريات ومهام أخرى بعيدة كل البعد عن رسالته كعلم مثله مثل أي علم من العلوم الإنسانية المعروفة.

هناك معضلة أخرى تتعلق بتعليم التاريخ سواء أكانت الرغبة بتعليم التلاميذ والطلاب عن الأحداث التاريخية التي مرت ووقعت في الماضي، حيث يتم هذا التعليم دون تجرد، بمعنى لا يتم اطلاعهم على تلك الأحداث كما هي وكما نقلت لنا ووصلتنا، بل في العادة يتم الزج بالتبريرات المختلفة والآراء ووجهات النظر الذاتية، فإذا كانت هذه الواقعة التاريخية جميلة ومشرقة أضيف لها الهالات من التقدير والثناء والتمجيد، وإذا كانت غير ذلك يتم التبرير والشرح عن الأسباب، وقد تكون مثل هذه الآلية مفهومة إذا ماتم الفصل بشكل واضح بين الحدث التاريخي أو الواقعة التاريخية وبين تلك الآراء أو وجهات النظر، بمعنى أن يفهم الطلاب والتلاميذ بشكل واضح ولا لبس فيه أن الواقعة التاريخية شيئا وما يتم الحديث عنه من جانب المعلم من تمجيد أو تبرير أو سخط شيئا آخر مختلف، ولو قدر وتم قراءة التاريخ بهذه الآلية بل وتم تعليم أطفالنا للنظر نحو التاريخ وأحداثه وفق رؤية مستقلة وحيادية وترك الرواية التاريخية الثابتة كما هي، وأعتبر تحليلها أو النظر في سببها ونتائجها جانب آخر، هذا على مستوى تعليم النشء بإحداث التاريخ، لكن هناك نوع آخر من تعليم التاريخ وهو الأخطر في أعتقادي والذي يتعلق بصناعة المؤرخ أو تعليم كتابة التاريخ، وأقول أنه الأخطر لأن الخلل في تخريج متخصصين في كتابة التاريخ وتدوينه دون تدريب ودون أن يعرفوا الميثاق الذي تعارف عليه منذ أزمان ماضية والذي يتعلق بالموضوعية والحيادية والانصاف والعدالة في النقل والنزاهة والامانة... إلخ. فإذا فقد المؤرخ أي ركن أو خصلة من هذه الخصال الكثيرة فإن عمله وإنتاجه دون شك سيكون غير دقيق وغير علمي ومنحاز ولن يكون النقل التاريخي دقيق وصحيح.

لقد تحدث الكثير من العلماء في هذا المجال العلمي وتحديدا عن التفكير التاريخي ووصفوه بأنه عبارة عن تشابك وتمازج بين الوقائع وبين النقل والسرد، وهو ما يمكن وصفه بكلمة واحدة وهي التفاعل، فالحدث التاريخي وقع وأنتهى ولا يمكن إعادته وأيضا لم يكن ممكنا توقع تفاصيله بدقة، وبالتالي فإن ما يقصد بالتفاصيل ليس التأثير على جوهرة وحقيقته وإنما في دراسته وتقديمة للجمهور بكل عدالة وانصاف وموضوعية.

مؤمنة تماما أن النظر نحو التاريخ وسياقه وأحداثه عندما تتجرد من مختلف العوامل وعندما يتم التوجه نحو- الحدث التاريخي – فإنه ستفتح آفاق جديدة ومتنوعة لاكتشاف الحدث وجوانبه وأسبابه، بمعنى عندما تكون حالة تاريخية متكاملة ولا ضبابية فيها ونضعها في سياقها الزمني الصحيح ونعرف مكانها وأين وقعت فإن هذه الجوانب ستساعدنا على فهم تام دون الحاجة لإضافة آراء أو وجهات نظر قد تؤثر على جوهر التاريخ، فيتم خلط الرأي بالحدث، وهذا ما تضج به كتاب التاريخ اليوم، وأقصد تحديدا كتب التاريخ، وليست كتب دراسة التاريخ، كتب التاريخ الذي أخذت على عاتقها نقل الوقائع والأحداث تجد في الكثير منها مزج وخلط بين الحدث وبين آراء ووجهات نظر المؤرخ الذي تحول إلى مؤلف، وكأنه يعيد تشكيل التاريخ أو يريد رسم الأحداث وفق هواه حتى تتناسب مع توجهه سواء الديني أو الثقافي أو الاجتماعي، وهذه الحالة لا يمكن أن تخطئها العين فمن السهولة بمكان ملاحظتها خلال تصفح الكثير من الكتب التي تسمى كتاب تاريخية.

ولكن إذا تبادر سؤال: لماذا تتم محاولات إدخال نصوص تحمل آراء شخصية على الحقيقة التاريخية؟ السبب أن هذه الواقعة التاريخية مريرة أو مفاجئة أو أنه لم يقتنع بجوانبها، فهو يحاول تلميعها وتحسينها لتتناسب مع ميولاته وتجاهاته، وعلى ضوء هذا يمكن القياس، فمحاولة التأثير على التاريخ مستمرة ولن تتوقف ما دام أن هناك عقائد ومبادئ وقيم تؤثر على البعض من المؤرخين، وبالتالي تؤثر على سلامة منتجهم في التدوين التاريخي.

أعتقد أن علم التاريخ لم يجد ما يستحق من الاهتمام والرعاية رغم أنه من أعظم العلوم التي عرفتها البشرية، وقد يسأل أحدكم لماذا من أعظم العلوم؟ والإجابة وبشكل واضح ومباشر، لأن التاريخ هو العلم الذي لا يتوقف عن النمو فهو في استمرار دائم، فجميع ما حدث في الماضي هو معنى به، فالأمس هو معنى به وقبل ساعة وقبل لحظات هو معنى بطريقة أو أخرى به أيضا، التاريخ هو ببساطة متناهية حياة البشرية منذ الأزل وحتى هذه اللحظة التي ستتحول إلى تاريخ بعد عشر من الثانية وأقل، التاريخ معنى بك أنت كشخص وبما قدمته وبما أحدثته وبما تفكر به ليكون واقعاً حياتياً يتم تدريسه يسمى تاريخاً، عظمة هذا العلم أنه طوال مسيرته أمتزج مع البشرية، وقد كان كريما مع الإنسان، بل يعد واحدا من أعظم العلوم التي بواسطته نقلت علوم اخرى للبشرية، ولكم أن تنظروا نحو أي علم كيف بدأ وكيف تطور ومن هي الشخصيات من العلماء التي أثرت فيه ودرسته وعملت وقدمت مبتكرات جديدة، هذا جميعه لم يكن ليتم لو لا عملية تسمى التاريخ وكتابته، علماء الرياضيات الفيزياء والكيمياء والطب بل حتى الطيران والفلك، وغيرهم الكثيرون، يثقل كاهلهم دين عظيم مستحق الدفع يسمى التاريخ، كيف وصلتنا المبتكرات والمخترعات؟ وكيف عرفنا النوابغ والعباقرة الذين أثروا البشرية؟ كيف عرفنا بأناس ضحوا بحياتهم من أجل نقل المعرفة والتجارب البشرية؟ إنه التاريخ.. إنه هو الذي يقوم دوما باختزال جميع العلوم وضمها لردائه الواسع العظيم، وهو من يقف خلف كل هذا الوهج العلمي، وهو من يقف خلف كل هذه الأضواء المعرفية التي تغمر كوكبنا، لو لا التاريخ وعملية توثيق التاريخ التي تمت بإنصاف وعدالة وكما هي، لو لا هذه المهنية وهذه الدقة العلمية في النقل، نقل روح الاختراع، نقل روح الكشف العلمي، نقل روح العلوم كما سردها علمائها ومكتشفيها، لولا كل هذا لما تمكنت البشرية من التطور والتقدم، ولكم أن تتخيلوا كيف تمكن الإنسان منذ فجر الماضي السحيق من نقل تجاربه وكشوفه ولم تكن هناك عملية تسمى التاريخ وتدوين الأحداث؟ ولكم أن تتخيلوا أيضا لو أن كل مجتمع أو حضارة وضعت يدها على اختراع أو كشف علمي ساهم في تسهيل حياتهم ثم تلاشت هذه الحضارة ومعها انتهى هذا المخترع أو تم طمس هذا الكشف العلمي، فكيف سيكون حالنا اليوم؟ السيناريو المحتم، هو أن كل أمة وكل حضارة ستبدأ من جديد، وهو ما يعني العودة لنقطة الصفر، وهو ما يعني بشكل أدق عدم التطور، لأن من خصائص التطور تواجد لبنات يرقى ويصعد عليها، وإلا لم يكن ليسمى بتطور، وإنما يسمى بجديد، والجديد تعني البداية، أما التطور فيعني البناء على ما تقدم وترقيته وهكذا تستمر العملية.. البشرية برمتها تدين للتاريخ وعلومه بالشيء الكثير من الفضل لازدهارها وتفوقها وتقدمها.. المؤلف والباحث الكبير قسطنطين زريق، في كتابه القيم الذي حمل عنوان:" نحن والتاريخ" قال: " عسى أن تكون علاقاتنا بالتاريخ علاقة تفاعل إيجابي، وعسى أن نتمكن في هذا الظرف الرهيب من حياتنا من أن نرد على تحديه الضخم الخطير بأصفى ما نمتلك من فكر، وأنفذ ما نقدر عليه من عمل، وأروع ما نحن أهل له من خلق وإبداع، بهذا يؤدي موقفنا التاريخي الحاضر خير معانية، ويرتفع إلى أسمى ذراه بهذا نجل ونعظم نحن والتاريخ".. وبالفعل فإننا نحتاج فعلا للتفاعل الإيجابي مع تاريخنا بصفة خاصة والتاريخ البشري بصفة عامة، دون حساسيات أو منغصات، لتبقى دراستنا في التاريخ كخبرات بشرية مفيدة تساعدنا على تجاوز أحداث الحاضر وعقبات المستقبل، وليس لتغذي الكراهية والحروب وكل الصفات المذمومة من العنصرية والاضطهاد والقسوة والظلم، بل ليزيدنا التاريخ انفتاح ودعوة نحو السلم والمحبة، لأننا تعلمنا من التاريخ أن العداوات لا منتصر فيها، وعلمنا التاريخ أن الكراهية هي الخطوة الأولى نحو الحروب التي لا ترحم والتي في العادة لا منتصر فيها، فهناك من يموت فيها بجسده وهناك من يموت فيها بروحه، وكلا الخصمين في الحقيقة ماتا، هذا هو التاريخ الحقيقي، فلا يمكنك أن تقرأ فيه سجله دون أن تعرف حقائق ودون أن تزداد خبرات ومعارف، لذا دوما تكسب دعوات تنقية وتصفية التاريخ من الشوائب الوجاهة والقابلية والتأييد، ليبق سفر نظيف من الميولات والمعارك الخاصة والشخصية، ليبقى التاريخ نظيفا لا يحمل إلا المعرفة التي نحتاجها دون قسوة او ألم.


4 views0 comments

Recent Posts

See All