• fatima

الإمارات صناعة الثقافة وتعميم المعرفة


نردد كثيرا كلمة الثقافة، ونستخدمها بشكل عام للدلالة على الفرد ومدى إتساع معرفته وتنوع هذه المعرفة، فنقول أن فلان مثقف، وأيضا نستخدمها في كثير من الأحيان عند الحديث عن مجتمع ما وأنه يتميز بثقافة منفتحة أو أن ثقافتهم تركز على البقاء بعيدا عن الآخرين ونحوها من الصفات... لكن لهذه الكلمة مدلول أعمق وأكبر وأيضا لها أثر بالغ الأهمية، لأنها تعتبر بمثابة غطاء وملبس يضم أفكارنا وما نؤمن ونعتقد به فضلا عن عاداتنا وتقاليدنا، وهي تجمع كذلك وجهات النظر على اختلافها في المجتمع بصفة عامة وتصبغ هذا جميعه وتعيد إنتاجه في قالب واحد – إذا صح التعبير- ويسمى بثقافة المجتمع، ولكنها أي الثقافة تذهب لما هو أبعد من ذلك عندما تتدخل في ما يرفضه المجتمع أو ما يسمح به ويتقبله، وكثير من العلماء تحدثوا عن التفكير والملبس والسلوك حتى ما يتم من ابتكاره وبأنها ثقافة أو شكل من أشكالها، أما نمو الثقافة وكيف توجد فإنها تأتي من خلال عدة أوجه ومجالات منها التعليم سواء التعليم النظامي في المدارس أو في تعلم الطفل من الأبوين من خلال الملاحظة والالتصاق والتأثر بهما المباشر والغير مباشر، فضلا عن أثر المقربين والمحيط وهذا جميعه يقع تحت ما يسمى في مجال العلوم الاجتماعية بالتنشئة الاجتماعية.. وعند الحديث عن الثقافة يجب استحضار جانبين منها الثقافة الفردية، وتكون ضمن اهتماماته والأولويات في حياته، وهناك الثقافة الأوسع التي تكون عامة وتشترك فيها مختلف مفاصل المجتمع وأركانه وفعالياته، وفي هذا الجانب تكون الثقافة عامة وشاملة وتتواجد عند الجميع، على سبيل المثال عمومية اللغة المستخدمة بين أفراد المجتمع، وأيضا الملبس والمناسبات حتى في جوانب أخرى مثل التحية والترحيب.. وتكتسب الثقافة مميزات كثيرة نظرا لمرونتها وقدرتها على التشكل والتقولب مع مختلف الاتجاهات والعلوم، فكونها منتج بشري ويتميز بها الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى، كان من محورها الحياة وتمكنت من التأثير على القدرات والتنمية بصفة عامة، وكما نعلم فإن كل إنسان يفتح عينيه على هذه الحياة وهو دون أي أفكار مسبقة أو توجهات أو طرق، ولكنه سرعان ما ينمو وتنمو معه الثقافة السائدة التي يتغذاها من الأم والأب داخل الأسرة ثم تنمو مع خروجه المبكر نحو مدرسته ثم إلى مفاصل المجتمع، حتى تتكون ثقافته التي تتشابه وتتماش مع الثقافة العامة السائدة، لذا عندما يقال بأن الثقافة تنتقل وتنتشر فهذا صحيح تماما، فهي تنتقل بين الأفراد بعضهم البعض وأيضا من مجتمع لآخر، بل من جيل للجيل الذي يأتي خلفه، وتبقى نقطة جوهرية في هذا السياق تتعلق بروح الثقافة وجوهرها وهي أنها مفيدة للفرد وتشكل حماية له لأنها تمنحه ما يريده وتقدم له ما يساعده على تجاوز العقبات، وهي أيضا مفيدة للمجتمع بأسره فهي تعتبر بمثابة رابط يقوي أوصال المجتمع ويمنع تفككه ويحمي عاداته وتقاليده، ويكفي أن نعلم أنها ترتبط بشكل وثيق وقوي بالحضارة، فالثقافة تختزن عدة مفاهيم تساعد على قيام الحضارة ثم صمودها وتطورها مثل العلوم السياسية والاقتصاد والمبتكرات والعلوم بصفة عامة، فدون ثقافة قوية تجمع هذه الكنوز المعرفية لا تقوم الحضارة ولا يكون لها أي أثر في التاريخ البشرية، ومن هذه النقطة ندرك وقع الثقافة سواء في المجتمع أو في الحضارة وعملها وتأثيرها في كل واحدة منهما.

الثقافة والعلم

أكتسبت الثقافة عمقها وقوة تأثيرها لما تتمتع به من عمومية وشمولية في مفهومها ووظيفتها، ولا أدل على ذلك من تلك المقولة التي يتم تردديها بأن كل مثقف متعلم وليس كل متعلم مثقف، وهذا يعني أنه من الممكن أن تجد إنسان على درجة عالية من التعليم وحاصل على شهادة عليا، لكنه لا يتمتع بالثقافة اللازمة التي تساعده على الانتشار أو الترويج لأفكاره بل حتى تطوير علمه، بينما قد تجد مثقف يملك الوعي ويدرك الطرق المناسبة لتوظيف المعرفة وفي اللحظة نفسها حاصل على شهادة تعليمية مناسبة، ورغم هذا فإن الثقافة لا شروط لها أو متطلبات، فقد تجد أناس يتمتعون بثقافة واسعة لكنهم غير متعلمين أو غير متخصصين في مجال علمي محدد، لذا يقال بأن الثقافة هي بمثابة الخبرات أو الروح التي تعتمد على المعلومات والتي في كثير من الأحيان تكون هذه المعلومات بمثابة المفتاح نحو مختلف الأشكال والأنواع.. ورغم هذا إذا قدر وأهتم مجتمع ما بالحركة التعليمية ومنحها الأولوية عند رسم خططه التنموية فإن هذا المجتمع دون شك سينمو وفق ثقافة صحيحة متزنة، أو أنه سيكتسب ثقافة قويمة صالحة محمل بالمبادئ الراسخة، وهكذا هي فإن وعي الفرد والمجتمع وعلمه قد يكون لها انعكاس إيجابي على نمو ثقافة مميزة، ورغم أن هناك من يفصل بين الثقافة والعلم، إلا أنه يتضح تلاصقهم وأن كل واحدا منهما يقوم بدور يخدم الآخر.

المجتمع المثقف

دون شك أنه لا يمكن أن توجد في المجتمع أي مجتمع، أطر ثقافية وعمق معرفي دون مؤسسات ذات علاقة تكون فعاليتها قوية وحضورها واضح في مختلف اجزاء المجتمع، مؤسسات مثل المدارس والجامعات وصالات الفنون والمسارح والانشطة القرائية وغيرها الكثير، وإذا قدر وكان هناك خلل في تواجد هذه المؤسسات فإن هذا المجتمع سيتعثر وسيواجه مشاكل في عدة جوانب حياتية، وذلك لسبب بسيط، فالثقافة قد تكون مشوهة لأي سبب إلا أن تواجد مؤسسات معرفية قوية تجعلها – أي الثقافة – في سياقها وتسمح لها بالنمو الصحي وتصبح مهيمنة وبمثابة عامل لاستقرار ونمو هذا المجتمع، ومن هنا يتضح أن لحضور الثقافة مكانة جوهرية وهامة للمحافظة على أمن المجتمع وأيضا لنموه الصحي السليم، وبالتالي فإن المقولة التي يتم تردديها بأن الثقافة تساهم بشكل واضح في تقوية المجتمعات، صحيحة وتكتسب مصداقية كبيرة من الواقع الذي نعيشه ونشاهد تفاصيله.

الإمارات والثقافة

إذا أردنا أن نستحضر شاهد ناجح من شواهد المجتمعات البشرية، ونجد اُر الإيجابي للثقافة ومساهمتها في نموه وقوته وتطوره وتقدمه الحضاري، فإن اتحاد دولة الإمارات، وتكون المجتمع الحديث الذي يعيش في الدولة الحديثة، حيث تضم بين جنباتها عدة أوجه ودلالات، الإمارات دولة حديثة النشئة فلم يتجاوز عمرها إلا أربعة عقود وبضع سنوات، وحققت نمو متسارع وتطور مهول وتقدم حضاري فريد من نوعه، وتسابق اليوم دول العالم في الرقي والمبتكرات وتتصدر قوائم المنظمات الدولية التي تقيس الرفاه الإنساني والتسامح وانتشار واسع للمثل والقيم الخلاقة، كل هذا ستجده محكوم بشكل تام بثقافة متأصله في الإنسان الإماراتي، ثقافة توارثها الأبناء من الآباء الذين تلقوها من الأجداد، وهكذا جيلا بعد الآخر، إن قيم التسامح وتقبل الآخر والجدية في العمل وحب الخير للجميع وغيرها الكثير، ستجدها ماثلة في مختلف أرجاء المجتمع ودخلت في منظومته السياسية والقانونية والتشريعية، وهي نتيجة متوقعة لأنه يوجد إجماع على حيويتها وأهميتها البالغة، إنها ثقافة قوية متفق عليها وتم التعاطي معها طوال حقب زمنية ماضية، ثقافة ترسخت في إنسان هذه البلاد، تشربها وادرك قوتها وتميزها.. لاذ نشاهد في الإمارات المراكز والمؤسسات الثقافية الحيوية الهامة التي تتوزع في مختلف أرجاء المجتمع، ومن تلك المؤسسات المدارس والجامعات، فالتعليم يحظى بنصيب وافر من الاهتمام ويتم ادخال التقنيات الحديثة لتساهم في ايصال رسالته، حتى باتت الإمارات واحدة من أو لجهات العالمية في مجال التعليم الجامعي ومخرجاتها من الطلاب ذات مراكز متقدمة، وكما ذكرنا فغن التعليم يعد واحدا من أهم ميادين الثقافة إذا لم يكن الميادين الرئيسي الأول، وفي هذا السياق أستحض كلمات للوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمة الله، حيث قال: "إن تعليم الناس وتثقيفهم في حدّ ذاته ثروة كبيرة نعتز بها، فالعلم ثروة ونحن نبني المستقبل على أساس علمي". لقد أدرك رحمة الله أن منظومة تعليمية قوية تعني ثقافة مترسخة ومجتمع مثقف واعي بمتطلبات الراهن والفترة الزمنية التي يعيشها وفي اللحظة نفسها مدرك وعلى معرفة تامة بالتحديات المستقبلية، لذا فغن التخطيط لا يستهدف العام القادم ولا الخمسة الأعوام القادمة، بل وضع الخطط العشرية وأيضا الخطط ذات البعد الزمني الأطول وتجهيز المستقبل للأبناء الذين سيعيشونه.. وبما أننا جئنا على ذكر التخطيط فإنه هو أيضا نوع من الثقافة، ولا يمكن أن تيم دون الوعي، وهذا الوعي يتطلب معرفة والمعرفة تعني الألمام والدراية وهذا جميع يأتي تحت كلمة الثقافة ومصطلحاتها الواسعة والمتعددة.. ستجد أن الوعي بحجم ووظيفة الثقافة وقدرتها ماثلا في عقل وسياسة البعض من القادة العظام أمثال الشيخ زايد، رحمه الله، حتى سجل التاريخ منجزاتهم بمداد من الذهب، أستحضر للزعيم الجنوب الافريقي نيلسون ما نديلا، كلمات في هذا السياق توضح الترابط الكبير بين التطور والنمو والمجتمع والثقافة، حيث قال:" لا يوجد بلد يمكن أن يتطور حقا ما لم يتم تثقيف مواطنيه" ولا يمكن أن تثقف المواطنين وتنشر الثقافة في المجتمع دون مؤسسات تعليمية قوية وشاملة.

وإذا أمعنا النظر فإنه دوما يتم جمع التطور بجانب الثقافة وكأنهما جزأن لا ينفكان عن بضعهما، فعندما توجد الثقافة وتنتشر فإن المحصلة والنتيجة هي التطور، والعكس صحيح عندما تغمر وتقزم الثقافة فإن الجمود والتراجع ستكون له الكلمة العليا، في الإمارات ومنذ فجرها وقيام الاتحاد اختارت التطور والتقدم وكانت طموحة في نظرتها للمستقبل، ولم يكن ليتحقق لها هذه النظرة لو لم يكن هناك وعي بدور الثقافة وأهميتها، ولعل من أهم ملامح ودلالات هذا الاهتمام كل هذا الحراك الثقافي والزخم الذي نشاهده ونعيش تفاصيله في نشر الكتب وحركة التأليف والكتابة، في كل هذه الورش المعرفية والمحاضرات وتنظيم المؤتمرات والأنشطة المعرفية بشكل متواصل ودائم ومستمر، وقد قطعت شوطا طويلا ومثمرا وناجحا في هذه المسيرة، في كل هذه المؤسسات الثقافية التي تعمل على خدمة المعرفة وبث وح الثقافة في الاوساط المختلفة من الناس فتقوي الروابط الاجتماعية وتعالج المشاكل وتوعي وترشد، في كل هذا النشاط في ربط الماضي بالحاضر وبناء المستقبل، في الإعلاء من قيمة التراث وتركت الآباء والأجداد.. وتبقى عملية الثقافة مستمرة ودائمة، فهي لا تتوقف ولا تنتهي، فهي في ديمومة، لذا صناعة الثقافة وتعميم المعرفة في المجتمع تعتبر عمل مستمر ومتواصل، وهذا ما نقوم به في الإمارات، والآن نحن نتوجه نحو عالمنا العربي ببرامج ومبادرات معرفية من شأنها الارتقاء بمفاصل الثقافة ودورها في مجتمعاتنا العربية، وهو ما يعني تطورها وتقدمها.


4 views0 comments