• fatima

الكتابة الإبداعية تعني الإختلاف والتجديد


أنت كمؤلف معني بتحقيق التميز وأن لا تكون نسخة مكررة أو مقلدة

يقال أن أحدهم وفي بداية حياته في مجال التأليف كان يكتب بشكل إبداعي ومتميز، وتلاقي نصوصه انتشار واسع وقبول من الناس، وبناء على توصية ممن قرأ نصوصه من النقاد بأن يطلع على شروط النص الأدبي وجنسه ونوعه لتعزيز هذه النجاحات لصقل مهارته الكتابية ولتكون أكثر نضجا، وقد أرخى هذا المؤلف السمع لهذه النصيحة فدرس وتعلم عن الجنس الأدبي وشروط كل نوع ومواصفاته، والذي حدث أن هذا المؤلف فقد عفويته وقيد نصوصه وباتت مساحة حركته أضيق، وبالتالي باتت منجزاته الأدبية وكأنها قص ولصق متشابه مع ما يكتب وما يتم نشره، لهذا نسمع بين وقت وآخر من يقول بأن المؤلف الفلاني كانت نصوصه الأولى أكثر جمالا أما ما قام بكتابتها ونشرها مؤخرا فقد كانت إعتيادية ولا جديد فيها وكأنها فقدت وهجها.. مثل هذه المقولة تتكرر علينا بطريقة أو أخرى، وهي تصف حالة خضوع المؤلف للقوانين المصطنعة والتي يحاول البعض تسييج الإبداع الكتابي بها.

الكتابة الإبداعية تعتمد في المقام الأول على ترجمة الأفكار التي تجول في العقل وتمر سريعا ونقلها على الورق، وكلما تمكن المؤلف من القيام بهذه العملية بسرعة وسهولة تمكن من الإقتراب من درجة من درجات التميز والإبداع، لذا من الأهمية أن يتم إسقاط الموانع أو الحواجز التي قد تعيق العقل من نثر الأفكار، بمعنى إنه إذا أردت الإرتقاء على سلم الكتابة الإبداعية فلا بد أن تتخلى عن الخشية والمخاوف عند الكتابة، فلا تضع الأعراف والتقاليد ونحوها كموانع، وليكن عقلك متحررا منطلقا بعفوية معبرا عن أفكارك وما يجول في ذهنك بحرية.

على سبيل المثال، في الكتابة الشعرية يرى بعض المثقفين أن ما يعرف بشعر النثر أو شعر التفعيلة، أكثر إبداعا وتحليقا من الشعر الموزون المقفى (العمودي)، وهم يدللون على وجهة نظرهم بأن الشعر العربي الكلاسيكي (المقفى والموزون) يرهق الشاعر ويشتت ذهنه عند بحثه عن كلمات محددة وعند محاولته المحافظة على سلامة الإعراب والوزن، وهذه جميعها معطيات تكون على حساب روح القصيدة وعفويتها وأيضا على حساب الأفكار فيها، وأنه بسبب هذه الحالة فقد الأدب العربي خاصية الانتشار في العالم، فحتى وإن تمت ترجمة قصيدة فالذي يتم نقله هي الأفكار الشحيحة فقط، فلا يمكن نقل الموسيقى أو الأوزان والإعراب، ولذلك فقد الشعر العربي القديم التأثير العالمي.

هذا الموضوع تحديدا صاحبة جدل طويل يخفت في حين ويصعد لواجهة الساحة في حين آخر، وهو بمثابة القضية القديمة الجديدة، ومن أهم الأسماء التي لها رأي واضح في هذا الموضوع الدكتور علي الوردي، الذي نشر آراءً صاخبةً تتعلق بالشعر المقفى الموزون، في كتابه القيم الذي حمل عنوان أسطورة الأدب الرفيع، حيث قال: "الشعر العربي القديم يعنى باللفظ أكثر من عنايته بالمعنى، ولست أقصد من هذا أن الشعر خال من المعنى، فقد نعثر فيه على كثير من المعاني الرائعة، لا سيما في شعر المبدعين الكبار كالمتنبي والمعري ومهيار الدليمي، ولكن هذا الشعر الإبداعي لا يمثل جميع الشعر العربي، ومن الممكن القول بأن الشعر العربي القديم بوجه عام أقل حظا في المعاني من أشعار الأمم الأخرى. وهناك ظاهرة نفسية لها صلة بموضوعنا هذا ومؤداها أن العقل البشري لا يستطيع أن يعنى بأمرين متناقضين في آن واحد إلا نادرا، فهو لابد أن يقلل من عنايته بأحدهما إذا أراد أن يركز اهتمامه في الأمر الآخر. ويظهر مصداق هذا المفهوم الجديد في موضوع اللفظ والمعنى في الشعر، فاللفظ والمعنى متناقضان بطبيعتهما، والشاعر لا يستطيع ان يركز اهتمامه على التجويد في كليهما معا، وكلما اشتدت عنايته باللفظ ضعفت عنايته بالمعنى قليلا أو كثيرا. وقد اجتمعت في الشعر العربي خصائص ثلاث قلما نجدها مجتمعة في غيره. وهذه الخصائص بطبيعتها لفظية، وقد يصح أن نسميها قيودا لفظية وهي القافية والوزن والإعراب، والذي أعتقده أن الشعر العربي لا يستطيع إن يقف في مستوى غيره من حيث المعاني، إنه لا يخلو من المعاني طبعا ولكنه لا يستطيع أن يجري وراءها طليقا كغيرة، وهل في قدرة الشاعر العربي أن يحلق في الخيال كالطير بينما هو مثقل بأعباء الوزن والقافية والإعراب على ذلك النمط المعلوم. وخلاصة ما أريد قوله:

إن الشعر العربي القديم جميل في موسيقاه اللفظية، ولكنه في معانيه ضحل نسبيا، ولو ترجمنا بعض تراثنا الشعري إلى لغة حديثة لما حصلنا منه إلا على سواد الوجه!. إنه يفقد بالترجمة موسيقاه، ولا يبقى منه سوى قليل من المعاني العجفاء. ومثل هذا يمكن أن نقول عن كثير من تراثنا الثقافي. فنحن قوم اشتهرنا منذ قديم الزمان بحسن البيان! ".

ورغم ان آراء الدكتور علي الوردي صادمة ووجدت عند نشرها الكثير من الهجوم والنقاش، إلا أنه يبقى لها وهجها ومنطقيتها خاصة فيما يتعلق بالترجمة، والتي لا يمكن أن تنقل الوزن والقافية ـ الموسيقى ـ بقدر أنها ستنقل المعاني فقط، وهي المعاني التي تكون شحيحة في القصيدة، كما تم ذكره، وفي هذا السياق أشار الوردي لعدم وجود قصيدة قصصية طويلة كالتي عند هوميروس أو دانتي أو الفردوسي، لأن الشاعر العربي يصعب عليه أن ينظم الملحمة الطويلة لأن المحافظة على سلامة الوزن والقافية والإعراب تنهكه وتكلفه جهدا. لم أورد هذا المثال لكي ندخل في جدال يتعلق بالشعر العربي القديم أو الشعر الحديث، إنما لبيان أن قضية الكتابة العفوية دون موانع أو حواجز أخذت مساحة واسعة من البحث لدى المهتمين بالإبداع الإنساني وكيف ينشأ ويتطور وينمو، وهي قضية قديمة تتجدد بين وقت وآخر. المنجز المكتوب نفسه وعلى مختلف أنواعه الأدبية يعاني من إشكالية عميقة لدى بعضنا، فهو عاجز عن بلوغ الكمال الوصفي الذي ينجح الصوت فيه تماما بينما تتعثر الكلمة المكتوبة وقد تكون قاصرة ومتواضعة، فالمكتوب لا يمكنه أبدا من نقل روح الصوت وما يحمله من مشاعر، فهو شكل يقرأ ويفهم وفق حدود وأطر محددة، أما الصوت فله نغمة تطرب الأذن، يشعر بالحياة والمشاعر، في هذا السياق يقول الروائي والشاعر النيجيري غابرييل أوكارا في بداية روايته التي حملت عنوان الصوت: " تصعب محاولة الكاتب التعبير عن أفكاره حتى إذا حاوله في لغته نفسها، لأن ما يقال أو يكتب عادة ليس بالضبط ما جال في الفكر، بين ولادة الفكرة وتحولها إلى كلمات يضيع شيء ما". وفي الحقيقة إن ما ذهب إليه هذا الروائي، شعور يختلج كل من يكتب أو يحاول الكتابة الإبداعية، حيث يعيش في لهاث وركض خلف الأفكار التي تطرأ في رأسه ويبقى عاجزا عن تدوينها ونقلها بسرعة وعفوية على الورق. إنه تحدي يومي يعانيه كل من يكتب ويؤلف. يخيل إليك وأنت تشاهد شخصا يجلس أمام شاشة كمبيوتره بهدوء، وتعتقد أنه مرتاح بينما الحقيقة أنه يعيش في صراع ذهني داخلي كبير. يقول الفيلسوف غوستاف فلوبير: "لا يمكن أن نفكر أو نكتب إلا جالسين". لذا فإن بعض المؤلفين ممن يؤلف ويكتب يغضب بشدة عندما تتم مقاطعته.

ما سبق ليس فيه أي تهميش أو تقليل من مكانة النص المكتوب أو الكتابة بصفة عامة، خاصة وأننا نعلم جميعا أنها كانت فتحا عظيما على البشرية عندما تمكن الإنسان من اكتشفها وبدأ في ممارستها، وأثر الكتابة على البشرية لا يمكن حصر أو تقدير الخصال النبيله التي تم حصدها نتيجة لتعلم الإنسان الكتابة ويكفي أن نعلم – كما يقول البعض من العلماء - أن الحياة البشرية بدأت على الأرض منذ نحو مليوني سنة، وبرغم هذا لم يبدأ التاريخ إلا منذ خمس آلاف وخمسمائة سنة قبل الميلاد، وهو التاريخ الذي اكتشف فيه الإنسان الكتابة وبدأ يمارسها وبالتالي دوّن أحداثه وشؤونه بواسطتها، وآخرون من المؤرخين وعلماء الآثار يحددون تاريخ الكتابة أنها بدأت منذ نحو ثلاث ألاف وخمسمائة قبل الميلاد، صحيح أن تلك البدايات كانت متعثرة ومرت بمراحل طويلة وعميقة حتى باتت على ما هي عليه اليوم، إلا أنها ـ أي الكتابة ـ باتت اليوم جزءاً من الحياة لا يمكن الاستغناء عنها.

الهدف من هذا الاستعراض السريع لتاريخ الكتابة، هو الوصول إلى نقطة التقاء مع الجميع، نتفق خلالها على أهمية أن نكتب بعفوية ودون قيود، وأن نشجع بعضنا على الإبداع، وأن لا نقلل من مجموعة شعرية صدرت لأديب بحجة أنها مجموعة من الكلمات المرصوصة التي لا تمت للشعر بأي صلة، وكأن مفردة أو صفة نص شعري لا يمكن أن تطلق أو تمنح إلا على القصيدة الموزونة والمقفاة، ولا يمكن أن نسمي أو نطلق مفردة ديوان إلا على كتاب جمع بين دفتيه قصائد تشابه الشعر العربي الكلاسيكي، وهو أمر ينطبق أيضا على الخواطر أو الوجدانيات وكذلك على النصوص النثرية.. والحال نفسه على مجالات أدبية أخرى مثل القصة القصيرة أو الرواية، فهناك من ينفي صفة القصة القصيرة عن البعض من النصوص القصصية لأنها لم تتضمن مكان أو زمان، او غيرهما من الشروط والمتطلبات التي يضعها البعض لتمرير صفة القصة على النص.

لنترك العنان للتطوير والتجريب، ففي الأدب لا يوجد مقدس، والأصناف الأدبية ليست ملكا لفئة دون أخرى، وهي ليست مصبوغة وفق رؤية هذه الفئة أو تلك، ولا بد أن نكتب وفق مشيئة هؤلاء وآراء أولئك. لا بد أن ندرك جميعا أن الأدب مشاع وهو بطبعه حر، يحلق فيلتقطه الجميع، الفقراء والأغنياء الكبار والصغار، ويغوص في أتونه من يريد دون استئذان أو طلب تصريح، أبوابه مشرعة لمن أختار السهر مع الكتب وملاحقة النصوص وتذوق الإبداع. . لنكن أكثر تسامحا وهدوءا مع كل من يحاول أن يبدع، مع كل من يحاول أن يكتب... في رأي علي الوردي إننا لو ترجمنا بعض تراثنا الشعري إلى لغة حديثة لما حصلنا منه إلا على سواد الوجه!. إنه يفقد بالترجمة موسيقاه ولا يبقى منه سوى قليل من المعاني العجفاء، تصعب محاولة الكاتب التعبير عن أفكاره حتى إذا حاول في لغته نفسها لأن ما يقال او يكتب عادة ليس بالضبط.. ما جال في الفكر بين ولادة الفكرة وتحولها إلى كلمات يضيع شيء ما.. إن الحالة الإبداعية والفكرية التي تتلبس بالمؤلف وهو في مرحلة نقل الفكرة على الورق لا تسمح له أن يفكر بالقوانين والحواجز والموانع فهو مشغول ذهنيا بتأليف النص وكتابته، يجب عليه أن ينزف ما يدور في ذهنه بأسرع ما يمكن ودون تردد، وهو بمثل هذه الآلية سيقترب من الإبداع بطريقة أو أخرى، وهذا هو الجانب الهام والحيوي والذي يميز نصه عن الآخرين.

لا أعلم إذا كنا في عالمنا العربي وحدنا من تثقل كاهله مثل هذه القضايا والمواضيع، والتي دون أدنى شك لها تأثير بالغ وكبير على الإبداع والتفوق، أما أن هناك أمم وشعوب أخرى مسكونة بمثل هذه الحالة والتي تشبه وضع المتاريس والموانع أمام التميز والإبتكار؟ لكن تبقى حالة الحكم على النص من خلال تقييده بمثل هذه الاشتراطات دون النظر لجانبه الإبداعي تحتاج لمراجعة وإعادة تدقيق فعلية، أو تحتاج لقرار ذاتي من كل من يتوجه نحو الكتابة والتأليف بأن يأخذ طريق مختلف تماما عن أي طريق يرسم له ويراد له أن يسير عليه.. الكتابة الإبداعية تعني الإختلاف والتميز والإبتكار والتجديد، وهو كمؤلف معني بتحقيق هذه الجوانب أو أنه سيكون نسخة مكررة أو مقلدة ولا أكثر...


2 views0 comments