• fatima

الكتابة فن صعب المراس


تعترض كل من يتوجه نحو الكتابة والتأليف جملة من المنغصات والصعوبات، والتي تتكاثر عليه كلما زاد في اهتمامه بهذا المجال، وعلى خلاف ما قد يعتقد ويحسبه البعض فإن التأليف في عالمنا العربي تحديدا لا تجذب الجماهيرية أو الشهرة التي قد يتخيلها البعص، فإذا كانت الرغبة الحقيقية تكمن في تحقيق الشهرة فإن التأليف والكتابة ليست هي المضمار المناسب، خاصة وأن النجاح في هذا المجال وبعد مضي عدة سنوات ليس مضمونا، بل حتى بعد أن تكتسب الخبرة اللازمة والمعارف وتكون قد شقيت طريق عميق في ممارسة التأليف، فإن نجاحك التام وشهادة إبداعك تبقى رهينة فلا تجد إجماع عليها ولا قبول عام بها، ولكم أن تتخيلوا أن البعض ممن يعتبرون أكثر من كتب وألف بل ومنحوا جوائز عظيمة تقديرا لمشوارهم الأدبي وعطائهم الانساني، يصدمون بين وقت وآخر بمن يشكك في إبداعهم وتميزهم، والأمر لا يحتاج لأكثر من ناقد في مقتبل العمر لعله يكون دارس في مجال أدبي ما حتى يفلت العنان لآراء قاسية ضد المنجز وضد ما كتبته هذا المؤلف العظيم أو ذاك الكاتب القدير، حتى يخيل لك بأنهم سيئون جدا، فيكون هذه النقد بمثابة تكسير للمجاديف وكسر لقوة قلم هذا الكاتب ومنجزه حتى قبل وصوله لأيدي القراء، فإذا كان هذا هو الحال مع من تمرس على التأليف، وهو عرضة لمثل هذا السيناريو فكيف بمن هم أقل مكانة وقدرة أو لازالوا في أول الطريق نحو التأليف والكتابة.

وعندما يقدر لك أن تتجاوز معضلة الاعتراف والتقدير لما تقدمه من منجزات وكتب، تأتي معضلة تكاثف وتكاثر ما تكتبه وفي اللحظة نفسها تبقى عليك مسؤولية التجديد وعدم التكرار، وهذه ليست في ما تقدمه من مقالات أو آراء بل حتى في كتبك الأدبية التي تنشرها، وإذا قدر وبات عمل روائي يأخذ منك نحو أثنى عشر شهرا، فأنت بعده مباشرة مطالب بأن تقدم منجزا روائيا مختلف تماما ومشوق ومتغير وجديد بكل ما تعني الكلمة.

وهذا دون أدنى شك سيقودك لمرحلة لاقتناص كل ما يمر بك من أفكار ومحاولة ترجمتها على أرض الواقع.

مشقة أن تكون مؤلفا...

ومهمة أن تكون مؤلفا وأن تصبح الكتابة جزءاً من يومك، ليست كما قد يتخيلها البعض من السهولة والبساطة، لأنه مع تواصل الجهد الذهني وتوليد الأفكار تصبح المهمة أكثر مشقة، لذا لا يكون أمامك خيار سوى أن تصبح الكتب رفيقة لا تمل منها لأنها هي الوحيدة القادرة على مساعدتك وإخراجك من حالة الجمود الفكري، وتبقى كل لحظة مواتية للكتابة مهددة بالضياع، فكلما أوغلت في عالم الكتابة بت أكثر حاجة للتركيز والهدوء ومع مثل هذه الحالة يصبح كل شيء مشتت لانتباهك، وما يعتبره البعض فرصة للترويح عن النفس تصبح لك بمثابة ورطة لا تعرف كيف وقعت فيها.

يقول المؤلف وكاتب السيناريو والشاعر الراحل أوسكار هامرشتين الثاني:" يعد الشعاع المفاجئ لضوء القمر أو صوت الطائر المغرد الذي استمعت إليه للتو أو القبلة التي طبعتها لتوك على جبين طفلة صغيرة أو المنظر الجميل الذي تطل عليه من نافذتك سببا في صرف انتباهك بعيدا عن كتابة ولو كلمة واحدة، فمن المحتمل أن تعوق مثل هذه اللحظات الجذابة عمل الكاتب وتؤخره".

وهذا يعني أن كل جميل في حياة الناس، هي للمؤلف خطر يهدد وجدانه ويعيث في عقلة ويبعده أشواط عن منجزه وعن ما يريد الكتابة عنه، لذا فإن حاجة المؤلف دوما مختلفة عن حاجات الآخرين، والذي يحدث في هذا السياق أن عدد لابأس بهم من المؤلفين والذين لم يتمكنوا من المزج بين حياتهم الاجتماعية وبين متطلبات الكتابة، باتوا على هامش الحياة الاجتماعية تماما، فتجدهم يعانون من الوحدة وما يشبه النبذ، وكأنه قرار هم أتخذوه، والغريب في الأمر ان هذه الحالة هي التي تجعلهم يكتبون بتميز وتجعلهم اكثر انكباباً على الورق، ورغم أنه ليس معظم من ألف وكتب يهدي بمثل هذه الحالة إلا أننا لو أستعرضنا سيرة كبار المؤلفين ومن قدموا منجزات أدبية رائعة للبشرية ستجدهم كانوا يعيشون تماما على هامش الحياة الاجتماعية، بل أن البعض منهم جسورا حتى الطرق المثلى للتعامل مع الآخرين والبعض منهم تجدهم في تعاملهم أشبه ما يكونوا بطفل ساذج تملأ وجدانه البراءة والنقاء.

التأليف فن وتواصل

وبما أن الحديث عن صعوبات الكتابة والتأليف، والوهج الذهبي في مضمارها وطريقها، فإن هناك صعوبات أخرى لا تقل حدة، ولكنها هذه المرة من صنع يدي المؤلف نفسه، وهي تتعلق في المقام الأول بالمنجز الذي يتم تقديمه، وقد يدهشكم عندما أقول بان القراء يشعرون بالمؤلف ومدى احترامه لهم من خلال الكتاب وما جاء فيه من نصوص، فكيف يحدث هذا؟

يحدث وفق عدة أوجه وأشكال منها، أن يقدم المؤلف على سبيل المثال عملا روائيا ذا فكرة جديدة وسرد وحبكة مشوقة، ولكنه لم يهتم بالتصحيح اللغوي والإملائي ولا بالتدقيق اللغوي فتجد القارئ كلما ذهب مع أحداث الرواية ودخل في أجوائها يتوقف مليا لمراجعة خطأ مر به، ويسأل نفسه هل من المعقول أن المؤلف أرتكب هذا الخطأ أو أنني أنا المخطئ؟ وهذه الحالة تكون مفسدة تماما لتذوق النص والتأثير على القارئ، وهناك مثال آخر بأن يقوم مؤلف باختيار الكلمات الأكثر فصاحة والأكثر غرابة والأقل أيضا استخداما ثم يقوم بإيرادها في نصه، فيدخل القارئ في حيرة تامة حيث لا يعرف معاني الكلمات ولا يعرف ما المقصود ولا المطلوب، وهنا يكون المؤلف قد أستعرض قدراته اللغوية على القارئ الذي لا يملك الوقت للمجاراة ولا للبحث عن معنى مفردة غريبة، لذا فإن كل ما سيقوم به هو رمي الكتاب بعيدا عنه وقد أتخذ وجهة نظر قاسية ضد الكتاب ومن قام بتأليفه، وكما تقول المؤلفة والكاتبة إلين ماري ألفين:" الكتابة فن ونوع من التواصل مع القارئ، فإذا فشل التواصل فشل الفن، وفشل التواصل خطأ الكاتب أكثر منه خطأ القارئ".

ومن أهم أسس التواصل اللغة واللغة هي التي تتكون من مفردات ومن كلمات، فإذا تعمد المؤلف وضع كلمات نادرة الاستخدام وغير متداولة فإنه من المؤكد أن القارئ سيصدم بها ولن يفهمها، وهنا كأن المؤلف قد قال لقارئه بأنه جاهل بلغته، بل يكافئه على ولائه واقتنائه لكتابه ومنجزه باتهامه بالجهل والتخلف.

أسرار المهنة

وبحق فإن المشكلات التي تواجه المؤلف متنوعة وعديدة، وعلى مختلف المستويات، ولكن هناك معضلة أخرى قد يقوم المؤلف نفسه بتوجيهها للناس بطريقة غير مباشرة ولكنها تكون مؤثرة، وهي الكتابة نفسها وعملية التأليف، فعندما يرى البعض هذا المؤلف وقد نشر كتاب ما، فإنهم سرعان ما يتسألون لماذا لا نقوم نحن أيضا بنشر كتاب؟ وأول من يتوجهون له بالسؤال لطلب المساعدة هو المؤلف، وأتذكر عندما كنت أكتب البعض من القصص في بداية كتاباتي وعندما كنت أقوم بنشرها في عدد من الصحف، أنني تعرضت لنقد قاسي من مؤلف أكبر سنا وأكثر خبرة في هذا المجال، حيث لم يوفر كلمة من كلمات الانتقاص إلا قام بإيرادها، وعندما طلبته تصحيح هذه العيوب التي يراها، أجابني بأن النجار لا يطلع منافسة في مهنة النجارة بالأسرار التي تميز عمله، وبغض النظر عن صحت هذه الكلمات وصحت وجهة نظره، إلا أن هذا ما يحدث مع الأسف من البعض، فهم غير شغوفين بتعليم الآخرين، وإذا كان المؤلف قد أمضى نحو عقد من الزمن في عالم الكتابة بين القراءة والتصحيح والتنقيح ليتمكن من نشر أعمال جديرة بالاحترام والقبول، فكيف يختزل كل هذه التجارب ليقدمها في قالب نصيحة لفتاة أو شاب قرر أن يتوجه نحو الكتابة والتأليف؟ فلا يوجد خير من الكتابة لتعلم الكتابة، وكما قال المؤلف هيفرون: " لا تستخدم أي كتاب عن تعليم الكتابة بديلاً من ممارسة الكتابة".

من يكتب يقرأ مرتين

وأنا على مستوى شخصي أعتبر هذه المقولة قاعدة مهمة، وأنصح الجميع بالتمعن فيها بشكل جيد، لن تتقن الكتابة والتأليف إلا بممارسة هذه الوظيفة، فالكتابة تشبه لحد كبير اللاعب الذي يحتاج للياقة البدنية، كلما تدرب أكثر كلما تمكن من بلوغ مرحلة متقدمة في المنافسة والقدرة على التحمل والصبر وبالتالي التميز عن أقرانه وتحقيق الفوز، والكتابة تحتاج لنفس هذا التدريب، ولن تحصل عليه إلا بالكتابة بشكل مستمر ودوري وذلك للتعود وتعلم ما تحتاجه من فنون وطرق، وكلما تدربت أكثر كلما تقدمت في هذا المضمار. من البديهي أن يقابل الكثير من المؤلفين قراء لديهم رغبة بأن يصبحوا كتابا ومؤلفين، والواجب عليه أن يشجعهم، لأنني أعتقد بأنها من المؤشرات الجميلة عن الوعي وانتشار المعارف، وأي مجتمع تشاهد وتلمس سعي البعض من أفراده نحو الكتابة والتأليف فإنه مؤشر بأنه مجتمع قوي متسلح بالمعرفة، إلا أنها تبقى الكتابة والتأليف عصية وممتنعة عن من يتوجه نحوها كنزوة ورغبة عابرة، هؤلاء لا يحققون إنجاز ولا يقدمون كتب مبتكرة تحتوي نصوص فريدة مبدعة، بل أنهم سرعان ما ينسحبون ويتركون الساحة، لأنها ليست مجالهم ولا المكان مكانهم. في اللحظة نفسها لن تجد مؤلف لا يقرأ، والقراءة تحدي آخر، وهو تحدي جسيم، فلا يمكن لك أن تكون بين ليلة وضحاها قارئ نهم، فعندما يبدأ أحدهم القراءة فإنه يعاني في بداية طريقة من صعوبات جسيمة ومعوقات كبيرة، لذا على من يرغب بالكتابة أن يحسم جانب القراءة ويصبح فيها ضليعا ومتميزا، فالكتابة والقراءة وجهان لعملة واحدة، فلا تتوقع أن يحلق إنجازك الأدبي دون جناح الكتابة وجناح القراءة، وكما قيل من يكتب مرة عليه أن يقرأ مرتين.


14 views0 comments

Recent Posts

See All