• fatima

الوعاء المعرفي القديم




لا يعرف تحديداً كيف بدأ ما يعرف بالأمثال، كما لم يتم الاتفاق على كيفية انتشارها وأين ظهرت. ويرجع العلماء سبب عدم الاتفاق على تاريخ تقريبي للأمثال، أو من أي الشعوب والحضارات انحدرت، إلى قدمها وعمق استخدام الإنسان لها. يعتقد البعض أن الأمثال ولدت مع الإنسان، بمعنى أنها ظهرت منذ أن بدأ الإنسان في تعلم اللغة ومن ثم الكتابة. وبالتالي كانت نتاجا طبيعيا لأحداث ومواقف، ويصح القول في هذا السياق بأنه اقترن عمرها مع عمر اللغة نفسها.

تعرف الأمثال بأنها ذاكرة الأمم والشعوب، وهي بمثابة سجل لوقائع وأحداث جسام تم اختزالها في كلمات قصيرة، تحمل معاني كبيرة، البعض يعتبرها قد جاءت ملبية لحاجة الإنسان. وقد حاول الدكتور سمير عبده في كتابه التحليل النفسي للأقوال المأثورة، أن يوضح وظيفة الأمثال فقال: "الأقوال المأثورة هي عبارة عن مجموعة من الملاحظات كوّنها أشخاص نتيجة خبراتهم في المجالات الحياتية المختلفة، فمنها ما يتضمن النصائح والحكم، ومنها ما يتضمن الأسباب أو التفسيرات لسلوك معين، ومنها ما يضع شروطا مسبقة للحصول على نتائج سلوكية معينة، فاستعمال الأقوال المأثورة في الظرف المناسب يدل أولاً على تفهم صحيح لها، ويدل على استيعاب غير مباشر للأقوال المأثورة التي ينشأ فيها الفرد، كما يدل على استعمال القول الدالّ على التزام الفرد باتجاه ما. إن الأقوال المأثورة تتألف من عدة كلمات تؤلف في مجموعها جملة قصيرة تشير إلى نوع من السلوك له معنى أوسع في الخبرة أو الموقف المعين الذي تشير إليه الألفاظ".

الدكتورة موزة غباش، قدمت تعريفا عن الأمثال الشعبية، هو الأكثر عمقا وإحاطة، ولعل هذا يعود للسنوات الطويلة التي قضتها في مجال الأبحاث والدراسات الثقافية، وأيضا لاهتمامها بالتراث والموروث الشعبي بصفة عامة، حيث قالت في تعريفها: "الأمثال الشعبية هي التعبير اللفظي والمتداول بغير تبديل أو تغيير في لفظه الحرفي، والتي تمثل بما تنطوي عليه نصوصها وألفاظها من استخلاص للتجربة، واستقرار للواقع، وتراكم للخبرة والمعاناة التاريخية، وهي قد تشبه القواعد والخطوط النظرية للسلوك العلمي".

يبقى تساؤل كبير هو: لماذا وحدها الأمثال هي التي كانت تنتقل بسلاسة وسهولة من جيل إلى آخر على امتداد العصور والعقود، من دون عقبات أو تمحيص أو رفض وإنكار؟

هناك عدة إجابات اهتم العلماء بتحليلها ومحاولة الوصول للحقيقة المطلقة حولها، لكنها تبقى في منطقة النظرية، وفي أفضل الأحوال فإنها اجتهادات لدارسين ومتخصصين في مجال العلوم الاجتماعية. ويبقى من المؤكد أن ملاصقة تلك الأمثال لحياة الناس اليومية وخروجها من بوتقة هذه الحياة ومن عمق التجربة الإنسانية اليومية والتي قد يكتنفها بعض الألم والحزن، أمر يجعل الأمثال السائرة مقبولة، بل مفيدة للآخرين الذين لم يخوضوا تجارب قاسية أو تجارب حياتية صادمة، يأتي المثل فيختصر عليك هذه التجربة، ويكون واضحا وقاطعا في دلالاته. هذا المثل لم يصدر عبثا ولم يأت عفويا، بل كان نتيجة لحياة زاخرة، لذلك اجتهد الإنسان في المحافظة عليه، وتخزينه في ذاكرته، ونقله إلى الأجيال التالية التي قامت بدورها بمهمة نقله إلى الجيل التالي. يصح القول بأن الأمثال كانت بمثابة وعاء معرفي حفظ الكثير من الخبرات الحياتية الهامة.


15 views0 comments

Recent Posts

See All