• fatima

مصدر المعرفة الأول !








كثير من العلوم والمعارف والخبرات البشرية، لم تنقل لنا محفوظة على الورق، أو منحوتة على الحجر، أو مكتوبة على الجلود والرقع، إطلاقا، إنما نقلتها لنا العقول، فعندما يضع الإنسان يده على اكتشاف، فإنه لا يقوم بتدوينها لتحفظ للأجيال التالية، بل أنه يتعلمها أكبر قدر من الناس، اللذين يقومون بنقلها إلى الجيل التالي، وهكذا، والذي يحدث انه في عملية النقل ومع تطور التفكير، تتطور الآليات وتدخل تحسينات كثيرة، خذ على سبيل المثال لا الحصر اكتشاف الانسان للعجلة، منذ عصور غابرة، لم يتم تدوين أي أثر تاريخي لها، ولذا من غير المعروف كيف تم اكتشافها، او ما هي قصة هذا الكشف ومن يقف خلفها، لكن الذي نعلمه أن العجلة مرت بسلسلة من التطويرات والاستخدامات، حتى باتت اليوم تدخل في كل صناعة.

مثال آخر اكتشاف النار، والتي يرجعها البعض من المؤرخين، لحقبة زمنية سحيقة في تاريخ البشرية، ورغم هذا فإنه لا يعلم من هو أول من استخدمها، وكيف تمكن من اكتشافها، وما هي القصة التي تقف خلفه ولكننا نعرف تاريخ التدرج في الاستخدام، وما تلتها من تطورت هائلة في مسيرة البشرية.

والأمثلة عديدة ومتنوعة، الذي حفظ منجزات الإنسان ونقلها للأجيال التالية، هو ما يعرف بتاريخ المشافهة، أو التاريخ الشفاهي، وهو تاريخ أخذ به كثير من العلماء منذ زمن طويل، ولعل من أهمهم المؤرخ اليوناني هيرودوت - عاش في القرن الخامس قبل الميلاد - والذي أطلق عليه أبو التاريخ، والذي حرص على جمع القصص حول الماضي وتفحص الآثار عند تجواله ورحلاته، حيث كان يقابل الناس ويدون قصصهم وذكرياتهم عن بعض الأحداث التي وقعت.. لقد نقل لنا هذا العالم زخم إنساني عظيم بفضل أتباعه لهذه الطريقة في التدوين، رغم أن هناك من يقول أن كتاباته تفتقر إلى المصداقية، لأنه كان يدون دون تحري الدقة، ولكن عند النظر لمجلداته في كتابة التاريخ، وما حوته من أحداث وأوصاف ومعالم وقصص، نعلم تماما لماذا أطلق عليه مسمى أبو التاريخ.

اليوم التاريخ الشفاهي، بات ثقافة وعلم له أسس وطرق وهذا ما ذهب له الدكتور ناصر بن علي الحميري، في ورقة علمية، بعنوان: أساليب وطرق الجمع الميداني في مجال التراث والتاريخ الشفاهي. حيث وضع وصفا وأطر كما عرفه وتطرق لموضوعاته وسماته وأيضا ما يجب أن تتوفر في الراوي والباحث، والدكتور الحميري، يضع هذه الرؤية العلمية لأنه يتمتع بخبرة طويلة، وهذا يعود إلى اهتمامنا في الإمارات بهذا المجال – التاريخ الشفاهي – هذا العلم القديم الحديث، وأعتقد أننا وبدعم مثل هذه العلم والعمل على تطويره، سنحقق المزيد، شواهد هذا الاهتمام وجود قطاعات حكومية أخذت على عاتقها العمل ليكون هذا المجال مؤسساتي. التاريخ الشفاهي، يصح أن نقول عنه أننا نقوم بتجديده وإعادة بعثه ليتواكب مع روح العصر وتطوره، وكم هو جميل أن يكون الإنسان العادي، هو المؤرخ وهو الذي ينقل القصص للأجيال القادمة ودون شك أنه تاريخ من الإنسان للإنسان..

ومن أهم علامات وسمات هذه العناية والاهتمام، ما تم توثيقه وحفظه على وثائق صوتية، فالذاكرة الشعبية متوهجة وتحوي كثير من تفاصيل الشعوب ولها جانب ينير العتمة في أي زمن، ذلك أنها تأتي من أناس أحياء يسردون ما عاشوه سواء عن شخصيات أو أحداث.

وفي سياق دعم هذا التاريخ البشري العريق، تم بافتتاح المعارض وعمل اللوحات التشكيلية التراثية، وعرض الأدوات القديمة التي استخدمت في الزراعة وغيرها، بل وتم تسليط الضوء على بعض ممن كان يأخذ على عاتقة علاج الناس ومداواتهم – الطب الشعبي – فضلا عن العروض الشعبية، تراثنا - ولله الحمد - متنوع تنوع بيئتنا حيث تجد صناعة السفن، والتي كانت تشكل أهم جوانب المردود المادي، فقد كانت تعد صناعة السفن من أهم الصناعات في العالم، خاصة صناعة سفن الصيد، ومن خلال هذه المهنة عرفنا الكثير من الرواة سواء أولئك الذين نقلوا لنا مراحل الغوص وما يتم ترديده من الأهازيج، وغيره، وهناك الرواة الذين نقلوا لنا معارك الآباء والأجداد مع الصحراء، والصديق الوفي الجمل، والتصاق الإنسان في تلك الحقبة بهذا الحيوان الغريب، وهذه المسيرة من المنافع المتبادلة بين الإنسان الذي سكن الصحراء والجمل، الذي وهبة الله القدرة على تحمل العطش والمسير لأشهر على كثبان الرمال.

سعيدة أن لبلادنا الإمارات أثر ويداً طولى في دعم وتشجيع هذا النوع من المعرفة، وهو التاريخ الشفاهي، الذي أحسبه واحداً من أعرق وأهم أدوات نقل المعرفة والعلم للبشرية.


5 views0 comments