• fatima

فهم التعليم خارج المدرسة


جميعنا بطريقة أو بأخرى عندما تحضر كلمة مثل التعلم، يذهب الذهن نحو شكل التعليم وطريقته وآلياته المعتادة ونستحضر المؤسسة التي تؤطر وتجمع ويتم فيها العمل المنظم لتحقيق التعلم وهي المدرسة، وما يأتي من بعدها من صروح مثل المعاهد والكليات والجامعات، لكن التعلم أشمل وأعمق وأعظم من تحديده بمؤسسة اجتماعية مثل المدرسة، وإن كانت تقوم بدور حيوي وهام في سياق رسالتها المعرفية التنويرية التي لا ينكره احد، لكن تبقى عملية التعلم أعم واوسع، حيث نسمع من يقول بأن المدرسة لا تعلم أحدا، وهذا القول قد يكتسب بعض المصداقية خاصة وأن هناك علماء ومختصين في مجال طرق التعليم والتدريس، أخذوا زمام المبادرة في هذا السياق بزيادة معرفة الناس بأن المدرسة عبارة عن منظم لعملية التعليم وليست منتج لها أو إذا صح التعبير ليست منتج أوحد لها، نعم هي ركن أساسي في هذه العلمية، لكنها ليست المسئولة الوحيدة عن التعليم، فهناك في المجتمع عدة مؤسسات تقوم هي أيضا بعملية التعليم وإن كانت بطريق غير مباشرة فإن هذا لا يلغي دورها ولا ما تقوم به من جهد معرفي تنويري للناس.

قد يستغرب البعض عند الحديث عما يسمى بالتعلم الاعتيادي أو التعلم العفوي، وهي عمليات التعلم التي تتم بطريقة غير مباشرة للإنسان، وخلالها يتزود بالمعلومات من خلال المشاهدة أو من خلال التعاملات مع الآخرين وهذه العملية هي التي تزوده بالخبرات اللازمة في المجال الذي توجه نحوه، وهي التي تعطيه زخم معرفي يمكنه من التطوير، ولعل هذه العملية هي أعمق ممارسة قام بها الإنسان طوال تاريخه، فهو ينقل علوم وخبرات ومعارف الآخرين ويطورها ويزيد فيها ثم يقوم بواجبه في نقلها لمن يأتي من بعده، وتتم هذه العملية بعفوية وهدوء وعلى امتداد الأيام والأعوام.

لعل خير ما يدلل على قوة هذه العملية التعليمية الغير مباشرة أو العفوية، وجود شخصيات ملهمة ناجحة ومبتكرة وحققت نجاح وشهرة كبيرة، لم تحصل على شهادات عليا من جامعات وكليات متخصصة. وسنجد الكثير من العلماء من قدم بحوث ودراسات، خلالها فرقوا بين التعلم الحياتي العام وبين التعلم في المدرسة، ويرون أن الحياة مدرسة أعم وأكبر وأشمل، ومن هؤلاء الفيلسوف والكاتب والشاعر والروائي الأمريكي الإسباني الأستاذ في جامعة هارفارد جورج سانتايانا، حيث قال:" الطفل الذي اقتصر تعليمه على المدرسة هو طفل لم يتعلم ". وهذه الكلمات الموجزة توضح بشكل جلي عملية التعلم التي يفترض أن يتلقاها الطفل، وأن لا تعتمد على المؤسسة الشهيرة المدرسة، رغم أهميتها ورسالتها التي لا ينازع أو يشكك أحدا فيها. وهذا يجعلنا مطالبين بفهم ودراسة عمليات التعلم بصفة عامة التي تتم خارج إطار المدرسة – وهي متعددة وكثيرة ومستمرة - ومحاولة العمل على تنظيمها لتكون معروفة ويملك الجميع معلومات بجوانبها وأثرها وكيفية الاستفادة منها خاصة عند تنشئة الأطفال وتربيتهم.


2 views0 comments

Recent Posts

See All