• fatima

الذي سيخرجه لنا التراث وسيرة الراحلين


من دون شك أن دروس الماضي والتاريخ وكل ما يحمله عبق التراث من معانٍ وقيم، كانت في ذهن الوالد المؤسس الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله.

ويمكن رصد هذا الاهتمام والعناية في الكثير من جهوده لصون تراث الآباء والأجداد والعمل على أن يكون نابضا بالحياة ومتواجدا وماثلا للأجيال التالية لدراسته وفهم أبعاده وعمقه، كثيرة وعديدة هي المناسبات الوطنية التي تناول خلالها الحديث عن التراث وصونه وأهمية تعليم الأجيال عن جوانبه ومآثر الآباء والأجداد. وفي مجال التعليم تحديدا نجده – رحمه الله – يحث على هذا الجانب، على سبيل المثال خلال زيارته التفقدية لمركز الوثائق والدراسات في أبوظبي، قال: "إن على الطلاب جميعاً بلا استثناء سواء تلقوا دراساتهم داخل الدولة أو خارجها الاستفادة من تراث دولتهم واستثمار تجارب أجدادهم لخير وتقدم البلاد".

وإذا أمعنا النظر جيدا في هذه الكلمات، سنجد أنها تدعوا للاستفادة من تركت الماضي وما خلفوه لنا آباءنا وأجدادنا من قيم وعادات وتقاليد، وأيضا من مفاهيم عن الحياة والتحديات التي تواجه الإنسان، ولكن أيضا هناك جانب حيوي وهام يتعلق بابتكار الوسائل والطرق التي تساعد على تجاوز تلك العقبات وتمكن من الانتصار على التحديات والحواجز والصعوبات.

لذا ستجد أن الوالد الراحل الشيخ زايد، لم يتوجه نحو أبنائه الطلاب وحسب، وإنما كانت يتوجه بحديثه لكل مسئول عن صون وحماية التراث أيضا، حيث كان يوصيهم ويزيد معرفتهم بأهمية الرسالة والعمل الذي يقومون به، فخلال اجتماعه مع أعضاء لجنة التراث وتاريخ دولة الإمارات، في عام 1976م قال لهم: "إن أحياء تراث وتاريخ الجيل الماضي فيه تعريف لأبناء الجيل الجديد ليتعلم كيف استطاعت تلك الأجيال مواجهة كافة الظروف والتحديات الصعبة التي وجهوها"... ويقول رحمه الله في سياق آخر من حديثه: "إن إحياء تراث أمتنا وبلدنا لواجب ضروري بل وحتمي حتى يعرف الناس ماضينا وكيف كنا نعيش قبل أن ينعم الله علينا بالخير الوفير". والملاحظ أن هذه الكلمات جاءت في وقت مبكر من عمر الاتحاد وقيام الدولة الجديدة، وكأنه رحمه الله، كان يدرك أن الثورة العلمية والتقنية والتطور والتنمية جميعها سيكون فيها تمكين لهذه البلاد وتنقلها نحو الرقي والحضارة، لذا نجد أن شغله الشاغل الجيل القادم ومعرفتهم بكل ما قدمه لهم الآباء والأجداد، وأنه يجب أن يعرفوا كم كابدوا وعانوا على هذه الأرض حتى تفجرت اليوم بالينابيع والخيرات، وكأن الفكرة الرئيسية التي تدور في ذهن الوالد والقائد الراحل الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، كانت عن أهمية أحياء هذه الكنوز المعرفية التي عاشتها الأجيال الماضية. فالموضوع ليس تمجيد لحياة الضيم الذي عانها آبائنا وأجدادنا، رغم أنهم يستحقون كل احتفاء وتقدير وذكر لمحاسنهم، ولكن الحاجة هنا هي للأجيال القادمة التي ستأتي وتحسب أن هذه الأرض كما هي منذ مئات السنوات، دون أن يعلموا أنها كانت مكانا لعراك دائم مع الطبيعة القاسية تنتهي معظم تلك المعارك بخسارة الإنسان، وأنها كانت مرتعا للقسوة وشظف العيش والمجاعة. عندما تأخذ تلك الأجيال نحو ذلك الماضي ونحو التراث، سيدركون حجم الذي تغير، وسيقدرون معنى الاتحاد والوحدة والتلاحم، سيفهمون أن بلادهم لم تصل لما هي عليه اليوم بضربة حظ أو مصادفة، بل بعمل سالت فيه الدماء وتخضبت الرؤوس بالعرق والمشقة والتعب..

هذا الذي سيخرجه لنا التراث، وسيرة الراحلين من الآباء والأجداد، إنها دروس لا تقدر بثمن، وهي طريقة حياة ومنهج لرؤية الصواب.


5 views0 comments