• fatima

قوة التراث وصوت التقليد


هناك انشغال كبير لدى الكثير من الدارسين بمفهوم التراث ووظيفته في الحضارة، ومدى مساهمته في التقدم والتطور، ومن بين تلك الأصوات نسمع من يرجع التعثر المعرفي الحضاري التي تعيشه الأمة العربية إلى التراث ويحمله المسؤولية، وهذه الفئة ترى أن إهمال تراثنا العربي والإسلامية بكل مقوماته ومبادئه وتجاربه وخبراته وما يختزله من مفاهيم عريقة ضاربة العمق في الزمن، جميعها يجب أن تترك وأن تسقط من الذاكرة العربية الحديثة، وببساطة فإن هذه الأصوات تشير لعملية اندماج من ثقافات حضارية واجتماعية أخرى، وتجد في مثل هذا التوجه الحل الأمثل لحالة التردي العربي - إذا صح الوصف - ولو أننا أمعنا النظر جيدا لمثل هذا القول سنجد أنه يضم عدة معضلات ومشاكل، منها التقليد والتخلي عن الأصالة، وهذا يعني أن تكون تابعا لا متقدما ولا سابقا، عندما تقوم أمة أو مجتمع ما بالتخلي عن قيمها فإنه دون شك ستستقدم قيم جديدة، وعند تطبيق هذا الجديد فإنه لن يكون ملائما ومتوافقا لمختلف أجزاء المجتمع وتنوعاته، وهنا تبدأ علمية القص والبتر والتطويل والتقصير، ومعها سيتم استبعاد البعض من الجزئيات ويتم التعويض عنها بأخرى، وفي نهاية المطاف تظهر قيم مشوهة لا هي حديثة مبتكرة ولا هي أصيلة ذات تراث مجرب ومعروف، وكما جاء في قصة الغراب الشهيرة التي حاول أن يقلد كيف تمشي الحمامة، فلم يتمكن، وعندما رغب بالعودة لمشيته القديمة كان قد نسيها، لذا نرى الغراب يتقافز من مكان لآخر عندما يرغب بالسير.. وقد يكون هذا حال أمتنا عندما نرخي السمع لتلك الأصوات، فسنفقد جوهر وعمق تراثنا وقيمنا ومعها سنفقد مستقبلنا.

ومثل هذه الحالة ليست غريبة في واقعنا العربي الحديث، هناك البعض من المجتمعات التي تخلت تماما عن تراثها وقيمها وتوجهت مسرعة نحو النماذج المجتمعية التي في بيئات بعيدة عنها وعن عاداتها، ولكنها لم تكن إلا مستهلكة تماما مثلها مثل شعوب أخرى راهنت على ذلك النموذج، فلم تبرع في الصناعات الحديثة ولا هي تملك اقتصاديات قوية مستقلة ولا تعيش في تنمية شاملة يستظل بها جميع أفراد المجتمع.

من هذه المعضلة والضبابية التي يعيشها عالمنا العربي، تظهر التجربة الإماراتية ونجاحها العظيم. العمل الدءوب في الإمارات التي يركز على التطور والتحديث والتقدم والبناء الحضاري، بل مسابقة أمم الأرض في عدة مجالات حيوية من العلوم والمخترعات والمبتكرات إلى الرفاه الاجتماعي والسعادة وقوة الاقتصاد والإنتاج، والإمارات تحقق قصب السبق ونتائج مفرحة ومبشرة، وكثير من المنجزات العالمية التي لها نكهة وبصمة إماراتية باتت على أرض الواقع وتحدثت عنها منظمات أممية عالمية، وظيفتها قياس معدلات البطالة والعمل وبيئته والاهتمام بالعلوم والإنتاج وصناعة المعرفة، فتصدرت الإمارات تلك الأرقام فكان مجتمعها من أسعد شعوب العالم، واليوم نستعد لإرسال نخبة من شبابنا إلى الفضاء ومشاركة الدول الأكثر تقدما في برامج رحلات سبر أغوار الفضاء السحيق.

في اللحظة نفسها الإمارات حكومة وشعبا لديها اعتزاز كبير بتراث الآباء والأجداد، ولا أدل على مثل هذا الاهتمام والرعاية كل هذه المؤسسات والهيئات التي تعني بالتراث وصونه والمحافظة عليه وإنتاج الكتب المعرفية والإعلامية والبرامج التي تستهدف الأجيال وتوعيتهم بمآثر الآباء والأجداد.

لكن هذا الاهتمام والرعاية، ليست من طرف واحد، بمعنى لم تأتي كبر وعرفان للآباء والأجداد وحسب، بل لأننا نجد في تراثنا قيم نحتاجها في عصرنا الحالي، إن قيم اتحدي والحماس والتغلب على تحديات الصحراء القاسية والفوز في رحلات الصيد البحرية الطويلة جميعها غذاء للأجيال على مر الزمن بأن أي تحدي وأي صعوبة تواجهك هي هينة ومتواضعة إذا ما تم مقارنتها مع ما واجه الآباء والأجداد.

من تراثنا لا نستمد القوة والحماس بل حتى طريقة التفكير والتعامل مع تلك التحديات وإيجاد الحلول. سيبقى تراثنا خالدا في وجدان العقل والروح، يحركنا نحو حياة زاهرة قوية بالعلم والمعرفة وصناعة المستقبل الذي نستحقه، وسنكون مثال يمكن تطبيقه في أرجاء أخرى من عالمنا العربي.


3 views0 comments

Recent Posts

See All