• fatima

قوة التراث وسر من أسراره








يطيب للبعض ممن هم متحمسين جدا، للمعاصرة والمستقبل، وفي غمرة حماسهم الشديدة، ينسون فضل التاريخ والتراث، بل لا يفهمون آلية التراث وطبيعته، وأنه عملية متواصلة ومستمرة مع مسيرة الإنسان، وأنه جزء من الوقت والزمن، وهو جزء طبيعي، وأن أي أمة من أمم الأرض تتخلى عنه كأنها تتخلى عن هويتها ووجودها وعمقها بل وعن شرعيتها.

أقول بأن هؤلاء الذين يجدفون ضد التراث، ويدعون للاستغناء عنه، لا يفهمون أن كثير من الحقائق التي باتت مسلمة اليوم هي في الحقيقة نتاج خبرات وتراكمات معرفية جاءت من الماضي حتى وصلت للحاضر، وفي المستقبل سيتم البناء عليها أيضا للمزيد من التطوير، لتستمر عملية التماس والالتصاق والتعاون بين حقب الماضي والحاضر والمستقبل، ذلك أن علمية التواصل بينهم قوية والرابط متين، وإن كنا لا نشعر به، أو لا نراه ماثلا، لكنه موجود بطريقة أو أخرى.

إن دراسة عميقة منصفة، يقوم بها أيا من الباحثين المتخصصين في هذا الجانب ستكشف دون شك، مثل هذا الترابط وقوته وأيضا تأثير التراث على الحاضر، ووجوده الدائم والمستمر.

التجارب الإنسانية غزيرة، والأمثال والقصص التي جاءت من القديم متنوعة وكثيرة، وتحمل في طياتها الكثير من العبر، والكثير من الحكم، والشيء المذهل أن على أرض واقعنا اليوم تتكرر مثل هذه المواقف والأحداث، فيتم استدعاء تلك القصص أو الأمثال، ويتم سياقها في أحداث يومية معاصرة، رغم أن المثل الذي تم ذكره قديم وله قصة أخرى مختلفة، لكنه كان وافي في توصيف الحالة والحدث المعاصر، وهذا يدل على قوة التراث وحضوره المعاصر والمستقبلي.

تبادرت لذهني هذه الكلمات بعد أن التقينا في اجتماع عمل موسع ضم نحو خمسين شخصية، وخلال النقاش، قام أحد الموظفين، بسرد تقرير من إعداده، ولكن التقرير كان محملا بالأخطاء، فكان مديرنا يشير أن نصمت، متجاهلا تصحيح تلك الأخطاء، ولعل لديه أسباب في ذلك، ولكن ذلك الموظف وتقريره، وصل إلى نقطة صغيرة تتعلق بالمدير نفسه، وهي بالمناسبة أيضا غير دقيقة، فصرخ به المدير: كفى أصمت، هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير، فضجت القاعة بالضحك من الموظفين.. لكن ما هي قصة الجمل؟ وكيف لقشة أن تقصم ظهره؟ من تراثنا العريق تأتي الإجابة، حيث يقال أن رجلا يسكن الصحراء أراد الارتحال عن قومه والسفر لقضاء شأن من شئونه، فقام بحمل متاعه على ظهر جمله، ولكن هذا المتاع كان كثيرا وأيضا ثقيل، فبات الجمل وكأنه يحمل جبلا من علو ارتفاع الأمتعة، مر بهذا الرجل أناس من قومه، ونصحوه بأن يخفف من هذا الحمل الثقيل، وأن ينزل بعض الأمتعة عن ظهر جمله، لأن أمامه مسيرة طويلة، وقالوا له أن هذا المتاع لا تحمله أربعة جمال مجتمعه فكيف بجمل واحد، لكنه لم يعرهم أي اهتمام، ورغم أنه كان واضحا ميلان الجمل نحو اليمين ومرة أخرى نحو اليسار، إلا أنه واصل عناده، وعندما هم الرجل بالمغادرة وأمسك زمام الجمل، شاهد قشه وكانت خفيفة، فتوجه نحوها وألقى بها على ظهر الجمل، لينهار تماما ويقع على الأرض، وقد تعجب الناس كيف يسقط الجمل بسبب كومة قليلة من القش، فقالوا ذلك المثل الذي ذهب على الألسنة منذ قرون وحتى يومنا هذا: " القشة التي قصمت ظهر البعير" بطبيعة الحال لم يسقط الجمل، بسبب القشة، وإنما كان في طريقة نحو السقوط، وكانت مسألة وقت فقط، ولكن اتفق وقوعه مع وضع تلك القش على ظهره.. والشاهد من هذه القصة والمثل، أننا نستخدمه حتى يومنا، ونستدعي المثل من عمق تراثنا لنسقطه على واقعنا، أيا كان لونه أو شكله هذا الواقع، وهذه واحدة من أسرار وغناء وثراء تراث الآباء والأجداد



3 views0 comments

Recent Posts

See All