• fatima

الحضارة التي شيدت في أربعة عقود


قبل نحو خمسة وأربعين عاما، كانت بلادنا عبارة عن صحراء قاحلة تتوزع بين كثبانها واحات خضراء صغيرة ومحدودة، وبحر مالح هو مصدر للغداء الذي من أجله تزهق الروح في خضم عبابه المهيب، بين رمال الصحراء تهاوت الكثير من الآمال، وذرفت الكثير من دموع العجز والألم، إنسان هذا البلد وجد مع ما يعرف بالملحمة الإنسانية التي عمرها مئات المئات من السنوات، وكأن إنسان ذلك الزمن يقول لم نختار وطننا، بل الوطن هو من اختار وجودنا في بيئته القاسية، لنقرأ التاريخ ونكتشف فداحة وعظمة ما أتحدث عنه، وما تم سرده من المستشرقين، والرحالة اللذين زاروا تلك المناطق، وأنظر في الكتب التي قاموا بتأليفها عن رحلاتهم ثم تم نشرها، هي موجودة بين يدينا اليوم، كانوا يتحدثون عن أرض ليست كأي أرض، اعتبروا رحلاتهم وسفرهم نحو بلادنا مجازفة خطيرة ومغامرة بكل ما تعني الكلمة، سردوا قصص عن الحياة القاسية، وفي كتبهم تمجيد لشجاعتهم وتمكنهم من التغلب على التضاريس والبيئة وتلك الحياة الشديدة الوعورة، المستشرقين والرحالة كانوا يقولون لمجتمعاتهم لقد جئنا من أرض قاحلة الموت فيها طبيعي وماثل ويومي، ومنهم من عنون منجزه ومذكراته بأسماء كالمغامرة والمجازفة والعودة من الموت...إلخ.

بحث بسيط على شبكة الإنترنت، ستجد مثل هذه المذكرات، ويمنك قرأتها، والاطلاع على فداحة التهويل الذي احتوته وهي تتحدث عن الصحراء القاحلة الجدباء وبحر تتناثر أمام شطآنه بيوت هزيلة تم بنائها من القش حتى تسميتها بالقرية فيه نظر وتدقيق.

وبغض النظر عن وجاهة تلك الصور ودقتها، وبغض النظر عن التسطيح ووضع جميع البقع الجغرافية تحت منظور ورأي واحد، ذلك أنه وجدت حواضر مزدهرة، إلا أن هذه الحالة أيضا تعكس شيء من الواقع، وعن طبيعة ذلكم الواقع الذي ساد في تلك الفترة الماضية، وتتلخص في كلمة واحدة وهي حالة الفقر والمعاناة والبؤس الإنساني، وعدم وجود حضارة قوية، ولا أدنى مقومات هذه الحضارة ولا مؤشراتها.

هذا جميعه بدأ في التبدل التام، منذ خمسة وأربعين عاما، وتحديدا عندما قرر الوالد الراحل صاحب السمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، رحمة الله رحمة واسعة، ومعه أشقائه حكام الإمارات، رحمهم الله، العمل على تأسيس هذه البلاد وإخراجها للنور، ولأن النيات كانت صداقة قوية متسلحة بالحب والتفاهم، ولأن لغة المصلحة والتعاون، هي السائدة، ولأن الحكمة كانت حاضرة في عقول قادتنا المؤسسين، نجح إعلان الاتحاد، ورفعت رأيته عاليا، وانبثقت بلاد الإمارات العربية المتحدة، من بين كثبان الرمال القاسية، لتظهر للعالم بحب وتسامح.. ومنذ تلك اللحظة التاريخية، كان واضحا أن بلادنا لن تكون كأي وطن، فخلال أربعة عقود فقط، وهي فترة زمنية واهنة قليلة جدا في عمر الدول والأمم، سادت ونمت ونهضت، في أي مجال تنموي لن تجد اهتمام ورعاية وحسب بل ستلاحظ نمو وتميز وإبداع، في التعليم في الصحة في الرعاية الاجتماعية، وفي أمن الناس والعدالة والقانون، وغيرها من مرافق الدولة، جميعها تم بنائها من حيث وصلت أمم الأرض، وفي غضون أقل من أربعة عقود، تم تطويرها، لتتربع اليوم بلادنا على واحدة من أقوى اقتصادات العالم، وليصنف التعليم فيها كواحد من أفضل الوجهات التعليمية في العالم، أما الصحة فتعتبر متكاملة ونموذجية، وهذا جميعه تم تتويجه ليكون الشعب الإماراتي كأسعد شعوب العالم.. لن يتوقف التعمير ولا البناء الحضاري، ولن يتوقف العمل من أجل رفعت الإنسان، وستواصل بلادنا السباق في المضمار الحضاري، نحو الرقي والسلام والتسامح.


5 views0 comments