عمدت إلى صدمة القارئ

رؤية نقدية في رواية  ((کمائن العتمة)) لـ فاطمة المزروعي

 

 

 

 

 

 

 

أحياناً نقابل أشخاصاُ تعلو وجوههم تكشيرة الحزن، نظراتهم زائغة بفكر حزين، عقولهم شاردة من ثقل الهموم..

هؤلاء المتجهمون نلتقيهم في الشوارع والأماكن العامة، وقد يجلسون أمامنا مصادفة في عربات المترو أو في صالات السفر بالمطار، هؤلاء بالتحديد هم ساكنو " كمائن العتمة" البؤساء، الذين أرق مضاجعهم الاكتئاب وملأ نفوسهم اليأس وخيبة الأمل، وتحطمت أحلامهم على شاطئ بحر الحياة القاسي، ومن بين هؤلاء اختارت الكاتبة الإماراتية:" فاطمة المزروعي" فتاة شابة رقيقة كأوراق الورد وجعلتها بطلة روايتها: ((كمائن العتمة)) فحولت آلام هذه الفتاة (سارة) وأحزانها إلى صرخة عالية مدوية تصم آذان من كان له قلب حي أو ضمير يقظ، في عالمنا الصاخب المزدحم الذي لا يشعر فيه الجار بآلام جاره إلا من رحم ربي.

((كمائن العتمة)) رواية ذات ملامح حداثية، أي تنتمي إلى مدرسة الحداثة في الرواية العربية وتحمل الكثير من مواصفاتها، فالسرد يعتمد على الفضفضة بضمير الراوي المتكلم وهي بطلة الرواية (سارة) التي لاتصف الأماكن والأحداث التي تدور فيها، بقدر ما تنشغل بوصف مشاعرها الداخلية وتعمقها بالمونولوج الداخلي، فيما يعرف بتيار الوعي وليس مهماً في هذه الحالة أن تتقدم الأحداث للأمام في تصاعد درامي ينمو تدريجياً، فالأحداث هنا تسير تبعاً لإحساس ومشاعر البطلة وهي شابة في العشرين من عمرها، تسجل اعتراضها علی مسار حیاتها کله، من خلال سرد مقاطع متفرقة من حياتها منذ طفولتها البائسة، التي سادت وسيطرت عليها عتمة كظلمة القبر.

إذاً فالعتمة هنا تساوي الموت لأنها النقيض للحياة، تسببت العتمة في حرمان " سارة" بطلة روايتنا من كل إحساس بالحياة، فعاشت منذ طفولتها المبكرة كالميتة سواء بسواء، فقد نشأت في أسرة تعتنق أفكاراً ومعتقدات دينية متطرفة، بعيدة كل البعد عن اعتدال ووسطية الإسلام.. أسرة تتبنى أفكاراً قديمة عفا عليها الزمن، أسرة استعارت نمطاً لحياتها من عصور القهر والظلم والاستبداد، أسرة يحكمها منطق سطوة الرجال على النساء.. في هذه الأسرة تربت سارة منذ الصغر، فتربت على الكبت والقمع وسلب الحرية، بما يسمح للأب ومن بعده الأخ ومن بعده ابن العم أن يتناوبوا فرض إرادتهم عليها، وانتقاص أبسط حقوقها بداية من اختيار ملابسها، أغنيتها، لعبتها، إلى أفكارها، أحلامها، طريقة تعاملها مع الناس.

وكل اختياراتها في الحياة، لدرجة أنها تجرأت وهي طفلة، فرسمت خرافاً معلقة ويسيل الدم من رقابها، ويومها عاقبتها المعلمة واستدعت والدتها :

" أتذكر في حصة الرسم كيف عاقبتني المعلمة واستدعت والدتي بعد اللوحة التي رسمتها، كنت قد رسمت خرافاً معلقة من رقابها والدماء تسيل على جسدها، قد أغضبت اللوحة معلمتي، ورأت بأنني أعاني من عقدة نفسية، ظلت أمي قلقة، تسير في المنزل وفي يدها لوحتي، أطلعت والدي عليها، كانت متوترة للغاية، وتفكر بما يمكن أن تفعله لحل هذه المشكلة.؟..))

و حتی عندما رسمت بورق القص واللزق أطفالاً يلعبون ويركضون بسعادة وسط الورود.. لم تعترض والدتها ولكن والدها انفعل غاضبا: ((لقد صنعت من جدار غرفتي عالماً من العوالم التي تعيش بكينونتها في أعماقي، لم تعترض والدتي، ولكن والدي كان يرى أن ما أفعله يدخل في الحرام، كان يغضب وأحياناً ينفعل، وكلما دخل غرفتي راح يردد كلمته الشهيرة: استغفر الله.

وقد تربت سارة بطلة كمائن العتمة بهذا القهر لدرجة أنها أصيبت بخيبة أمل عندما تعرفت إلى صديقتها سهام ووجدتها منفتحة على الإنترنت وعالم الشات والفيس بوك ولم تستطع أن تجاريها فابتعدت عنها مرغمة وحزينة على حظها العاثر الذي يقيدها ويحرمها من حريتها:

وعندما كبرت والتحقت بكلية الآداب، لم يكن من حقها اختيار التخصص الذي تريده، ودائماً هي واقعة تحت مراقبة ذكورية سواء من الأب أو الأخ أو ابن العم، فهي في نظرهم غير رشيدة، لمجرد كونها أنثى، إذاً فهي ليست أهلاً للثقة ولابد من توجيهها والتحكم فيها، لضمان ألا يوقعها عقلها الناقص في أي خطأ يجلب لهم العار وما عليها إلا أن تستجيب لأوامرهم وإملاءاتهم وإلا استحقت الضرب والعقاب الصارم الرادع لها ولبنات جنسها.. وكلما كبرت سارة في هذه البيئة القمعية زادت معاناتها من هذه العتمة العقلية والانغلاق الفكري المفروض عليها وأضفى السواد على كل شيء في حياتها، فأصابها الاكتئاب وأصبحت تتمنى الموت :

((تلوح أمامي القبور المتراصة في حديقة منزلنا، أو هكذا يتراءى لي، أو هذه هي الطريقة التي ترتبت بها الصور في مخيلتي من دون سابق إنذار، أو أن كل ما يأتي ويستعاد من صور هو شيء من الهلوسة التي تنتابني هذه الأيام بفعل أدوية الاكتئاب التي وصفها لي الطبيب منذ فترة)).

وتنشد سارة الخلاص من هذا القهر، تحلم بالحرية حتى لو حققتها بواسطة عاطفة حب مع شاب أقل منها علمياً أو اجتماعياً أو ليس على قدر من الوسامة التي حلمت بها، فالمهم أن يحررها، لذلك تضعف سارة أمام أية بادرة تلوح لها، تستجيب لأول طارق لقلبها الخاوي المتعطش للحب، للحنان، والحرية، تستجيب بلا تردد وتتبعه على أمل أن يخلصها من العتمة التي سودت حياتها، فمرة تستجيب لإشارة من حمود ابن الجيران، ومرة ينبض قلبها بحب حسن، ومرة تحلم وتهيم عشقاً بالدكتور عبدالرحمن الذي أجرى لها عملية الزائدة الدودية، وأخيراً مع سعد . وفي كل مرة كانت تصاب بخيبة أمل وترجع محبطة، وفي المرة الأخيرة يتتبعها ابن عمها ويراقبها حتى تلتقي بسعد، ويسارع بإبلاغ والدها، فينزل بها أشد العقاب:

إذاً العتمة هي المعادل الموضوعي للموت، ومن خلال (كمائن العتمة) نجحت الكاتبة فاطمة المزروعي في توصيل رسالة قوية لتحرير النساء من سطوة وتحكم الرجال، فمازال مجتمعنا من الخليج إلى المحيط مجتمعاً ذكورياً ينحاز للرجل ويفرض على المرأة طقوساً مستبدة، تنتقص من حريتها وحقها في اختيار مسارات حياتها بنفسها، رغم أنها خلقت حرة كالرجل سواء بسواء، فما زالت بعض الأسر في مجتمعنا تفرض على البنت ألا تتزوج إلا من قبيلتها أو عشيرتها، وألا تدرس إلا تخصصاً يرضى عنه أهلها سواء بدعوى عدم أهليتها للسفر بعيداً، أو لأن دراستها أمر شكلي ومصيرها الحتمي أن تتزوج وتبقى في البيت لتعد الطعام وتنجب الاولاد.

وتمتلك فاطمة المزروعي ناصية اللغة، مما أكسب السرد الروائي عندها سلاسة وقوة في التعبير مع وضوح في دلالة مفرداتها، وسهولة الجمل والتراكيب اللغوية، وقلما ترتبك أو يخونها التعبير، اللهم إلا في مواضع قليلة جداً وتستطيع أن تصححها في الطبعات القادمة وتجعلها أبسط وأسهل، مثل قولها:

«فيقفز الألم إلى كل مكان في جسدي، مراراً كان لكن بالرغم من اقتناعي بأنني لا أعاني.»

والأفضل أن تقول:

«كان الألم يقفز مراراً إلى كل مكان في جسدي، لكن بالرغم من اقتناعي بأنني لا أعاني».

ومثل قولها:

«أنني سوف كنت أعيشها».

والأفضل لو قالت:

«أنني کنت سأعیشها».

وقد استفادت الكاتبة فاطمة المزروعي مما يتيحه لها المنهج الحداثي في السرد، فلم تلتزم بالتسلسل الزمني للأحداث، فتنتقل بكل حرية من مشاهد معاناة البطلة وهي طفلة صغيرة إلى معاناتها وهي طالبة جامعية، ثم ترجع لذكرياتها وهي طفلة تتلصص على جارتها أم عمر، ثم تذكر مواقف حدثت في المراهقة مع ابن الجيران، وهكذا كانت فاطمة المزروعي، تسعى طوال الوقت لإثارة عقل ومخيلة القارى ودفعه دفعاً للتفكير والربط بين هذه المواقف والأحداث المتباعدة، ليتابع ويلاحق شخصيات تتذكرها بطلة الرواية لماماً ولا تتوقف كثيراً عند أي منها لأنها تعاني العتمة والشعور بكآبة وعبثية الحياة، فهي غير معنية بإبراز جوانب شخصيات روايتها إلا بالقدر الذي يوضح معاناة البطلة وهذا من صميم منهج الحداثة فی السرد.

 وكما درج كتاب الحداثة على الإطاحة بالحبكة والبناء الدرامي، استفادت فاطمة المزروعي من هذه الخاصية، فكتبت روايتها في اثني عشر فصلاً لا يربطها تسلسل زمني ولا شخصيات رئيسية ولا أحداث متتابعة، وحتى الأحداث التي شكلت ذكريات البطلة وصبت في تيار وعيها لم تربطها حبكة أو خيط واحد يحدد مسارها التصاعدي نحو عقدة أو أزمة كبرى تمهيداً لانفراجها في النهاية، لا لم تشغل الكاتبة نفسها بهذا كله، لأن ما يعنيها بالأساس هو تدفق السرد لترسم لقطات واضحة ومؤثرة من خلال الوصف وتيار الوعي والمونولوج الداخلي، وهذا كله أتاح لها في المحصلة النهائية أن تعطي القارئ صوراً تشبه النقاط المضيئة فى شريط حياة (سارة) بطلة الرواية المليء بالعتمة.

وإذا توقفنا عند نهاية الرواية سنجد الكاتبة  فاطمة المزروعي قد نجحت بامتياز في إحداث صدمة للقارى، واختارت اللحظة المناسبة للتوقف عن السرد، لكنها بذكاء كانت قد وضعت القارى فوق سطح من الصفيح الساخن، ودفعته دفعاً للإحساس بالذنب، والشعور بأنه مسؤول عن تحریر کل سجینات کمائن العتمة في مجتمعنا.